رسالة إلى الإعلام السوداني
(إعلامٌ يستعيد الوطن ويبني المستقبل)
عباس دليل
مقدمة
يمر السودان بمرحلة تاريخية فارقة، لا تتطلب فقط وقف آثار الحرب، وإنما تستوجب استعادة الوطن، وترميم نسيجه الاجتماعي، وإعادة بناء مؤسساته، وإطلاق مسيرة الإعمار والتنمية والنهضة بعد ما أصاب قطاعات الدولة والمجتمع من دمار وخراب بسبب الحرب وانتهاكات. وفي مثل هذه المراحل المفصلية، لا يكون الإعلام مجرد ناقل للأحداث، بل يصبح قوة وطنية مؤثرة في تشكيل الوعي، وصناعة الرأي العام، وترميم الثقة، وتوجيه المجتمع نحو المستقبل .
ومن هنا، فإن السودان يحتاج اليوم إلى إعلامٍ يدرك خطورة اللحظة، ويستوعب مسؤوليته التاريخية، وينتقل من مجرد إدارة الخبر إلى المساهمة الواعية في إدارة مرحلة التعافي الوطني وإعادة البناء؛ إعلامٍ يداوي جراح الوطن ولا يعمقها، ويجمع أبناءه ولا يفرقهم، ويواجه خطاب الكراهية والفتنة ولا يمنحه منبراً أو شرعية .
أولاً: إعلام يبني الوعي ويستعيد الحقيقة
المطلوب إعلامٌ يرفع مستوى الوعي العام بحقيقة ما جرى، ويكشف الحقائق بمهنية ومسؤولية، ويوثق الانتهاكات والجرائم والدمار، ويواجه التضليل والشائعات والحملات التي تستهدف وعي السودانيين وإرادتهم الوطنية .
كما ينبغي أن يسهم في ترسيخ السردية القومية الوطنية القائمة على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، بعيداً عن السرديات التي توظف الحرب لتعميق الانقسامات الجهوية والقبلية والإثنية والسياسية، مع الالتزام بالدقة والموضوعية وعدم تحويل الإعلام إلى أداة للتحريض أو الانتقام .
ثانياً: إعلامٌ يوحّد ولا يفرّق
إن مرحلة التعافي الوطني تحتاج إلى إعلامٍ يعمل على إعادة بناء الجسور بين السودانيين، ويعزز قيم المواطنة والانتماء المشترك، ويقدم خطاباً جامعاً يحترم التنوع ويحول الاختلاف من مصدر للصراع إلى طاقة للحوار والتكامل .
وعلى الإعلام أن يكون في مقدمة القوى المجتمعية الرافضة لخطاب الكراهية والتحريض والوصم والتعميم، وألا يسمح بتحويل المنابر الإعلامية والمنصات الرقمية إلى ساحات لإشعال الفتن أو إعادة إنتاج الحرب بلغة أخرى .
ثالثاً: إعلامٌ يساند استعادة الدولة وبناء مؤسساتها
إن إعادة بناء السودان لا يمكن أن تتم دون مؤسسات دولة قوية وفاعلة وشرعية، ولذلك فإن الإعلام الوطني المسؤول مطالب بأن يدعم بناء مؤسسات الدولة الدستورية والقانونية، ويراقب أداءها مهنياً، وينتقد مواطن الخلل بموضوعية، دون أن يتحول النقد إلى استهداف يهدم الثقة في الدولة أو يضعف قدرتها على القيام بواجباتها .
فالإعلام المهني لا يعني إعلاماً حكومياً، كما أن الاستقلالية لا تعني معاداة الدولة؛ وإنما يعني إعلاماً مستقلاً ومسؤولاً، يراقب ويحاسب ويصحح، وفي الوقت ذاته يسند مؤسسات الدولة في مسيرة استعادة الاستقرار وبناء دولة القانون والمؤسسات .
رابعاً: إعلامٌ يقود التعافي الاجتماعي وإعادة الإعمار
تحتاج مبادرة التعافي الاجتماعي وإعادة بناء ما دمرته الحرب إلى إعلامٍ شريك، يسلط الضوء على قصص التعايش والتسامح والمبادرات المجتمعية، ويشجع عودة النازحين والمهجرين، ويدعم المصالحات المجتمعية، ويعيد الثقة بين مكونات المجتمع .
كما ينبغي أن يكون الإعلام منصة وطنية للتعريف بجهود إعادة الإعمار، وإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية والخدمية، واستعادة التعليم والصحة والبنية التحتية، وتحفيز الاستثمار والإنتاج والعمل، بحيث يتحول الأمل في المستقبل إلى وعي مجتمعي ومشروع عملي .
خامساً: إعلامٌ يسند الاستقرار والتنمية والنهضة
إن السلام والاستقرار ليسا غاية نهائية، وإنما هما قاعدة الانطلاق نحو التنمية والنهضة. ولذلك ينبغي أن يواكب الإعلام السوداني مشروع بناء الدولة الحديثة، وأن يعزز ثقافة الإنتاج والعمل والانضباط وسيادة القانون، وأن يعرّف المواطنين بحقوقهم وواجباتهم، ويفتح مساحات للنقاش حول الاقتصاد والتعليم والصحة والشباب والمرأة والإدارة العامة والعدالة والتنمية المتوازنة .
كما يحتاج السودان إلى إعلامٍ يستشرف المستقبل ولا يبقى أسيراً للماضي؛ يستلهم التاريخ دون أن يسكن فيه، ويقرأ الواقع بوعي، ويصوغ مع المجتمع رؤية مشتركة للمستقبل .
خاتمة
إن السودان في مرحلة استعادة الوطن وإعادة البناء يحتاج إلى إعلامٍ يرتقي إلى مستوى اللحظة التاريخية؛ إعلامٍ يحمي الحقيقة، ويبني الوعي، ويجمع ولا يفرق، ويكشف الجريمة دون أن يزرع الكراهية، ويدعم السلام دون أن يتنازل عن الحق، وينتقد مؤسسات الدولة دون أن يهدمها، ويسندها دون أن يفقد استقلاليته، ويواكب الإعمار والتنمية دون أن يتحول إلى بوق دعائي .
إن مسؤولية الإعلام اليوم أكبر من صناعة العناوين والأخبار؛ إنها مسؤولية المساهمة في صناعة الذهنية الوطنية الجديدة التي تؤمن بأن السودان وطنٌ واحد، وأن اختلاف أبنائه لا يبرر اقتتاله، وأن الدولة القوية العادلة هي الضامن لوحدته واستقراره، وأن إعادة بناء الوطن مسؤولية مشتركة لا تستثني أحداً .
فليكن إعلام السودان في هذه المرحلة إعلامَ استعادةٍ لا استنزاف، وبناءٍ لا هدم، ووحدةٍ لا فرقة، ووعيٍ لا تضليل، وسلامٍ لا فتنة؛ إعلاماً يداوي جراح الوطن، ويستعيد ثقته بنفسه، ويدعم نهضته، ويشارك في صناعة مستقبلٍ يليق بالسودان وشعبه .