عصام الحاج… رجل المواقف والكرم والفراسة في زمن الحرب  

 كتب -المهندس ابراهيم الأمين خلف الله  

image-34.jpeg

في زمنٍ تعصف فيه الأزمات بالبلاد وتضيق فيه الأرواح بالخوف والضياع، يظل بعض الرجال علاماتٍ مضيئة، يواجهون العتمة بقلوبٍ مملوءة إيمانًا وكرمًا وشهامة .

ومن هؤلاء الرجال الذين يكتبون أسماءهم بمواقفهم لا بأقوالهم، يبرز عصام الحاج _ الرجل الذي بقي وسط النار، حين اختار الآخرون الهروب إلى الضوء .

رجل اختار البقاء حين رحل الجميع

عندما اشتعلت الحرب اللعينة وتحوّلت الخرطوم إلى مدينةٍ من رماد ودخان، نزح معظم الأهالي إلى الولايات الآمنة، أو غادروا إلى مصر والسعودية وغيرها من البلاد .

كانت الهجرة آنذاك أملًا في النجاة، وكان السفر حلمًا مؤقتًا بالأمان .

لكن عصام الحاج، برغم قدرته على السفر إلى أجمل وأرقى الدول، اختار أن يبقى وسط أهله في الجريف شرق، يعيش معهم المحنة لحظة بلحظة .

لم يغادر، لأنه لم يقبل أن يترك كبار السن والأرامل والفقراء الذين لا حول لهم ولا قوة .

بقي بينهم، يُشعل فيهم الأمل في زمنٍ انطفأت فيه المصابيح .

بيت مفتوح قبل الحرب وبعدها

منذ سنواتٍ طويلة، قبل أن يعرف الناس معنى النزوح أو انقطاع الكهرباء، كان بيت عصام مفتوحًا كالمسجد .

بيتٌ لا يُطرق بابه مرتين، لأن أهله يعرفون أن صاحبه سبقهم بالترحيب .

كان البيت مجلسًا عامرًا بالألفة، ومأوى لكل محتاج، وملتقى لأهل الحي كبارًا وصغارًا .

وحين دارت عجلة الحرب، لم يتبدّل حاله… ظل كما هو :

منارة دفءٍ في زمن الجليد، وبيت كرمٍ في زمن الخوف .

إنسان يعطي بلا خوف

 

في الوقت الذي أُغلقت فيه الأبواب، وشحّت الموارد، واحتفظ الناس بما تبقى لديهم خوفًا من الغد،

كان عصام ينفق بكرمٍ لا يُضاهى، يعالج المرضى، ويساعد الجيران، ويدعم التكايا التي تُطعم المحتاجين .

لم يفكر يومًا بما سيتبقى له، بل بما يمكن أن يُسعِد به غيره .

الموقف الذي يُروى للأجيال

في إحدى الليالي الحالكة، وبعد أن قضى عصام يومه في بيت والدته بحلة سرحان، خرج عائدًا إلى منزله في هب النسيم ماشيًا على قدميه،

لأن السيارات في تلك الفترة كانت شبه معدومة، ولا يمتلكها إلا القوات التي احتلت المنطقة .

كان الليل ساكنًا إلا من أصوات الرصاص البعيدة، والطرقات خالية إلا من الخطر .

وقبل أن يصل إلى بيته، توقفت بجانبه سيارة تقل مجموعة من المسلحين، وجّهوا أسلحتهم نحوه وسألوه بلهجة قاسية :

من أنت؟

—  أنا عصام الحاج .

من أين أتيت؟

—  من بيت والدتي .

وإلى أين تذهب؟

—  إلى زوجتي وأولادي .

هل أنت كوز؟

—  لا، أنا مواطن عادي لا أنتمي لأي جهة .

طلبوا منه إثبات الهوية، فأخرجها وأنارها بهاتفه، ثم طلبوا الهاتف، فرفض بثباتٍ عجيب .

قالوا له بحدّة: “إذا لم تسلّم الهاتف سنقتلك .”

فأجاب بكل هدوء المؤمنين :

أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله… اقتلوني، لكنني حيّ لن أعطيكم له .

فنزل أحدهم من السيارة وأشهر سلاحه :

بديك طلقة في راسك… اقعد تحت !”

فقال عصام بثقة الرجال :

أعطيني الطلقة وأنا واقف .”

ساد الصمت، وتعجّبوا من ثباته ونظرته الصريحة .

ثم قال أحدهم في دهشةٍ وإعجاب :

امشِ… والله إنت زول راجل .”

غادر عصام المكان بخطواتٍ ثابتة، لم يلتفت خلفه، لم يهرب، ولم يتلعثم .

مشى كعادته، شامخًا، وكأن شيئًا لم يكن .

شجاعة تُلهم واحترام ينتزعه الرجولة

ذلك الموقف ليس رواية خيالية، بل حقيقة تشهدها الجريف شرق وترويها الأجيال .

واجه الموت بوجهٍ ثابتٍ وإيمانٍ راسخ،

فأجبر خصومه — وهم يحملون السلاح — على احترامه .

نعم، لأن الرجولة لا تُشترى، ولا تُعلّم، بل تُورَث في الدم والمواقف .

 

كلمة ختام

هذا هو عصام الحاج كما نعرفه جميعًا :

رجل الكرم حين يشحّ العطاء،

ورجل الثبات حين ينهار الخوف،

ورجل الإنسانية حين تغيب الرحمة .

حكاياته لا تُختصر، وفضله لا يُعدّ، وأفعاله تتحدث عنه بصوتٍ أعلى من كل الكلمات .

نسأل الله أن يحفظه، وأن يجزيه خير الجزاء، وأن يُبارك في عمره وماله وأهله .

وأحمد الله أني سميت ابني الأكبر عصام،

ليحمل اسم رجلٍ هو رمزٌ للكرم والفراسة، وشهامة الرجال وقت المحن .

الجريف شرق ستظل تذكره ما بقي فيها بيتٌ يُفتح للناس، وما بقي فيها رجالٌ يُعطون بلا حدود .

فهو ببساطة

وجه الجريف المضيء في زمن العتمة

      إبراهيم الامين خلف الله   

                 26/10/2025

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان