حين أيقظتني طائرة الإسعاف الجوي… ذاكرة السودان الذي كان يسبق زمانه  

image-1276.jpeg

كندا-لندن أونتاريو -أبوعبيدة البقاري   

image-1276.jpeg

في هذا الصباح الجميل الماطر، توقفتُ أتأمل طائرة هليكوبتر للإسعاف الجوي وهي تهبط بهدوء فوق مهبطها في مستشفي فيكتوريا في مدينه لندن علي شارع عريض وطويل يسمي كومشنر كان مشهداً عادياً في هذا البلد المتقدم، لكنه بالنسبة لي لم يكن مجرد هبوط طائرة، بل كان هبوطاً في ذاكرة بعيدة… ذاكرة السودان الذي عرف هذا المجال مبكراً، وسبق فيه كثيراً من الدول .  

فقد تذكرتُ على الفور مشروع التاكسي الجوي والإسعاف الجوي في السودان الذي استخدمت فيه طائرات خفيفه تسمي ( السيسنا -Cessna) ، ذلك المشروع الرائد الذي ارتبط باسم رجل من رجال النهضة الاقتصادية الوطنية، هو الراحل الدكتور خليل عثمان، صاحب مؤسسات الخليج العالمية في مجالات الكبريت والزجاج والطباعة والنسيج وغيرها من الصناعات التي شكّلت آنذاك علامات مضيئة في الاقتصاد السوداني .  

كان مقر التاكسي الجوي في الخرطوم، عند تقاطع شارع الحرية مع شارع الجمهورية،غرب مسجد أرباب العقائد (جامع فاروق ) في منطقة كانت تعج بالحركة والعمل والإدارة. ومن هناك انطلقت فكرة متقدمة جداً بمقاييس ذلك الزمان: نقل جوي سريع، وخدمات إسعاف جوي، وربط للمناطق البعيدة بالمركز، في وقت لم تكن فيه هذه الخدمات متاحة في كثير من بلدان العالم النامي .  

لقد مضى على ذلك أكثر من أربعين عاماً بل اكثر من ذلك ، لكن السودان يومها كان يفكر بعقل الدولة الحديثة. وكان الطيران الخفيف والإسعاف الجوي جزءاً من منظومة التنمية الوطنية، خاصة بعد اتفاقية أديس أبابا 1972، التي فتحت آفاقاً واسعة لمشروعات التنمية والخدمات في جنوب السودان، تحت نظام الحكم الإقليمي الذي قاده  جوزيف لاقو ،لاحقاً في منصب نائب رئيس الجمهورية .  

في تلك المرحلة، قدّم التاكسي الجوي خدمات جليلة، فنقل المرضى، وخدم المشاريع الزراعية والتنموية، وربط الأطراف البعيدة، وكان عوناً للدولة والمواطن معاً. كما عمل فيه عدد كبير من الكفاءات السودانية من طيارين وفنيين وإداريين، علي سبيل المثال صالح محمد صالح ،المهندس كمال عمر محمد إبراهيم ،توفيق حضره ،،الرشيد عربي ،،لكن يستحقون جميعاً أن يُذكروا بكل تقدير     

إن الراحل الدكتور  خليل عثمان لم يكن مجرد رجل أعمال ناجح، بل كان صاحب رؤية وطنية. عاد بخبراته وعلاقاته من الخليج ليبني في السودان مؤسسات فتحت آلاف البيوت، ووفرت فرص العمل، وأسهمت في نهضة صناعية واقتصادية حقيقية ما زال الناس يذكرونها بإعجاب .  

وأنا أرى اليوم طائرة الإسعاف تهبط في كندا، لم أشعر بالدهشة من تقدمهم، بل شعرت بالأسى لأننا كنّا هناك يوماً… وربما قبل كثيرين. لكن بين الأمس واليوم مسافة من الإهمال والانكسارات .  

يبقى السؤال الكبير: كيف لبلدٍ سبق زمانه أن يتراجع إلى هذا الحد؟ وكيف لوطنٍ امتلك رجالاً من طراز الدكتور خليل عثمان أن يُهدر كل تلك الفرص؟  

إنها ليست مجرد طائرة هبطت في مهبط مستشفى… بل ذاكرة وطنٍ كامل أقلع يوماً، ثم تعثر في منتصف الطريق  

ودمتم،،،  

 

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان