مقال     

" اقتصاديات البقاء" وتحديات موازنة 2026م  

بقلم: خالد سعد  

image-657.jpeg

رغم اعتماد الاجتماع المشترك لمجلس السيادة ومجلس الوزراء الموازنةَ الطارئة لعام 2026م، إلا أن الوثيقة لا تزال حبيسة الغرف الرسمية في انتظار اعلانها، ففي حين تحاول الحكومة لملمة شتات أرقامها، واعادة جدولة الايرادات عبر "الجيوب القديمة"، ثمة اقتصاد آخر ينمو تحت الأنقاض، وقد أعاد تشكيل نفسه بعد اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023م، وهو ما يمثل موازنة "الأمر الواقع" التي صممها السودانيون بعيدا عن دفاتر المالية العامة .  

ونقصد بـ"اقتصاديات البقاء"، تلك الأنشطة التي ساعدت ملايين السودانيين في التعامل مع تداعيات الحرب، لتوفير الحد الأدنى من أجل الاستمرار من الغذاء أو الدخل من أجل الاستمرار في الحياة دون قدرة على الاندماج في النظام الرسمي المنظم .  

تؤكد دراسات منتدى البحوث الاقتصادية (ERF)  التي تناولت سوق العمل والأسرة في السودان، أن السوق السوداني كان تاريخيا قائما على أنشطة صغيرة منخفضة الإنتاجية تعتمد على العمل الحر والحرف اليدوية، الأجر اليومي، العمل غير الدائم، الزراعة الأسرية التقليدية، التجارة الصغيرة (المحاصيل – الأسواق الشعبية – الخدمات) .  

وتشير هذه الدراسات إلى أن نمط الدخل في السودان كان وما زال نمطا متعدد المصادر، حيث تعتمد الأسر في وقت واحد على الزراعة والتحويلات والتجارة الصغيرة والعمل الحر، وهذا النمط هو الذي جعل الاقتصاد قادرا على امتصاص الصدمات منذ سنوات، بما في ذلك الأزمات السياسية والمالية المتكررة قبل الحرب .  

بعد اندلاع الحرب في عام 2023، تحول هذا النمط من صفة اجتماعية إلى آلية صمود اقتصادي، فقد اتجهت الأسر نحو التجارة غير الرسمية، الزراعة المنزلية والموسمية، الحرف والخدمات المحلية  

التعدين الأهلي، والنقل والمواصلات، وغيرها من الأنشطة المهنية غير المسجلة .  

وتشير الدراسات السابقة إلى أن هذا التحول عزز من دور الاقتصاد الأسري بوصفه البديل الفعلي عن القطاع الرسمي، في ظل غياب الحماية الاجتماعية وتراجع المؤسسات الحكومية والمصرفية .  

تمثل الزراعة التقليدية نحو 35% من الناتج المحلي الإجمالي، وتوفر ما يقارب 40% من فرص العمل وفق بيانات حكومية ودولية، ومع ذلك يبقى جزء كبير منها خارج المنظومة الرسمية نتيجة غياب حوافز التسجيل والتمويل والبنية اللوجستية .  

كما يبرز تعدين الذهب الأهلي كأكبر "خزنة مالية" لاقتصاديات البقاء، ففي عام 2025، ومع وصول الإنتاج لـ 70 طنا (تقديرات رسمية تم التشكيك في دقتها)، لم يمر عبر القنوات الرسمية سوى أقل من ثلثها، بينما يمتلك التعدين الأهلي نظامه الخاص للتسعير والتداول وحتى التصدير، وهو نظام استطاع جذب الكتلة النقدية الهاربة من البنوك وتدويرها في شراء المدخلات والخدمات بعيدا عن سللطات الدولة التقليدية .  

قبل الحرب، كانت الإيرادات الضريبية في السودان تمثل نحو 6% من الناتج المحلي، وهو مستوى منخفض مقارنة بالمتوسط الدول الافريقية المجاورة التي لا يقل فيها عن 10% ، ومع دخول البلاد في أتون الحرب، تهاوى هذا الرقم ليصل إلى 3.3% فقط، حسب تقرير بنك التنمية الافريقي لحالة اقتصاد السودان بعد الحرب .  

يمثل الانخفاض نسبة تقارب الـ 50% من ايرادات الضرائب المباشرة وغير المباشرة، والأمر هنا غير مرتبط بتراجع في الأرباح والأنشطة نتيجة الحرب فقط، إنما يعبر عن تآكل "السيادة المالية" للدولة نتيجة قاعدة ضريبية ضيقة أصلا، وضعف الإدارة، وهجرة النشاط المتبقي نحو "الظل" هربا من الحرب والتكاليف، وهو أكبر عقبة ستواجه الموازنة التي فقدت أكثر من 80% من ايراداتها .  

المؤشر الآخر الذي يمثل تحديا لموازنة 2026، هو العجز في "الشمول المالي الرسمي"، فرغم خطوة تبديل العملة التي تمت العام الماضي، إلا أن التقديرات تشير إلى أن 80% من الكتلة النقدية لا تزال خارج النظام المصرفي، وما تزال سياسات بنك السودان النقدية تسعى مع المصارف للسيطرة على هذا الوضع المشوه .  

وإلى حين القدرة على السيطرة، فإن الأموال لن تتدفق عبر القنوات الرسمية وبالتالي فإن أي موازنة جديدة لا تراع هذه المسألة تصبح مجرد "عرضة" خارج دائرة الفعل الاقتصادي .  

في هذه النقطة، قد يحاجج بعض مخططي الموازنة بالتعويل على تطبيقات الدفع الإلكتروني مثل "بنكك" وغيرها، بيد أن الواقع يشير إلى أن هذه التطبيقات تحولت من أدوات مصرفية إلى "نظام مقايضة" رقمي يدير عمليات الشراء والتحويل حتى في أبعد القرى، متجاوزة أزمة السيولة النقدية وانهيار فروع المصارف، ولا يستطيع بنك السودان التدخل إلا في تحديد السقوفات، وهذه مسألة تمكن المتعاملين من تجاوزها بالتفاهمات التجارية أو عبر الاستخدامات المتعددة أي استخدام عدة حسابات بنكيل في عمليات التحويل .  

تكمن الفجوة الكبرى في محاولة الحكومة سد عجزها عبر رفع الرسوم على ما تبقى من القطاع الرسمي (الجمارك والكهرباء والخدمات الحكومية الأخرى)، بينما الاستدامة لا تأتي بزيادة الأعباء على المنهكين من الحرب والذين تحملوا العديد من أعباء الدولة نفسها، بل بعدالة الضريبة نفسها لتشمل على الأقل "الاقتصاد الموازي" الذي يختلف تماما عن ما نقصده باقتصاديات البقاء، لأن نشأت ،"الموازي" واستمراريته مرتبطة بالتوجهات السياسية الرسمية، والفراغ التنظيمي، والعجز الضريبي .  

لكن الواقع يشير إلى أن تكاليف الامتثال المرتفعة، وفجوة الايرادات غير المسبوقة، بالتوازي مع بقاء 80% من المال خارج البنوك، يرجح توسع ضريبي غير منصف ما يدفع "أنشطة البقاء" دفعا نحو الاختباء الدائم، ولا تبدو الأدوات التقليدية وغير التقليدية التي أعلنها البنك المركزي قادرة على ايقاف هذه المسألة .  

بالطبع موازنة 2026م المعتمدة، ليست مجرد أرقام، وإنما اختبار لقدرة الدولة على الاعتراف بـ"اقتصاد البقاء" كشريك، لكن دمج هذا القطاع يتطلب أكثر من مجرد "تبديل عملة" أو فرض مزيد من "الجبايات" وتوسيع مظلتها، فهو بحاجة إلى سياسات تحفيزية تمنح هوية اقتصادية للأنشطة الصغيرة، وتحويل تطبيقات الدفع الرقمي من "أدوات طوارئ" إلى بوابة للدمج الضريبي المرن، وتقديم حوافز حقيقية تجذب الـ 80% من الكتلة النقدية للعودة إلى المصارف .  

من الواضح أن اختلال السياسة الضريبية والإيرادات لا يرتبط فقط بعوامل مالية، بل بجوانب مؤسسية أوسع تتعلق بغياب رؤية تنموية متفق عليها تنظم العلاقة بين الدولة والمجتمع المنتج .  

ورغم أن إدماج اقتصاديات البقاء ممكن عبر سياسات ضريبية وتنظيمية تدريجيا، فإن نجاح هذه السياسات يظل رهينا بوجود إطار تنموي متوافق عليه سياسيا يهيئ البيئة اللازمة لدمج الاقتصاد غير الرسمي ويوفر حوافز تنظيمية وضريبية عادلة، دون تحميل "اقتصاديات البقاء" أعباء إضافية أو تحويل الضريبة إلى أداة جباية .  

 

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان