قبل أن تذهبوا !
الإعلام… بين الغياب المؤسسي والحضور المؤثر
دكتور- عبدالمنعم المهل

- في ظل الدور المتعاظم الذي يلعبه الإعلام في تشكيل الرأي العام والتأثير في مجريات الأحداث الدولية، يبرز تساؤل جوهري حول غياب استراتيجية واضحة للدولة تجاه المؤسسات الإعلامية السودانية، سواء في مرحلة ما قبل الحرب أو بعدها .
- فقد أصبح الإعلام التقليدي والرقمي أحد أهم أدوات القوة الناعمة، بل إن كثيراً من الحروب تدار اليوم عبر المنصات الإعلامية قبل أن تُحسم على الأرض .
- ورغم ذلك، نلحظ حضوراً لافتاً للكفاءات السودانية داخل مؤسسات إعلامية إقليمية ودولية مؤثرة، تُسهم في توجيه الخطاب الإعلامي نحو قضايا العالم الثالث، في الوقت الذي تعاني فيه المؤسسات المحلية من ضعف في السياسات المهنية وغياب الدعم المؤسسي المستدام .
- لقد شهدت الساحة الإعلامية السودانية تجارب مهمة، مثل قناة الشروق التي مثّلت محاولة جادة لبناء مؤسسة إعلامية راسخة ذات إمكانيات مالية وتنظيمية معتبرة، لكنها ظلت محدودة الانتشار أي محلية المحتوى بسبب سياساتها التحريرية .
- كما ظهرت قنوات أخرى مثل سودانية 24 وقناة البلد، إلا أنها عانت من ضعف التمويل لاعتمادها على دعم الأفراد، دون وجود رؤية دولة واضحة أو حاضنة مؤسسية حقيقة تساند تلك المشروعات الطموحة بدعم واضح يعزز من فرص حظوظها لتسهم أكثر مما هو عليه .
- وفي المقابل، يقف تلفزيون السودان في حالة من الجمود، بعيداً عن مواكبة التطورات التي جعلت من المؤسسات الإعلامية الوطنية في دول أخرى أذرعاً فاعلة للدولة، تعبّر عن سياساتها وتخاطب جمهورها الداخلي والخارجي باحترافية عالية ومعينات فنية من استديوهات ووحدات نقل وبث تسهم في نقل الواقع من أي مكان .
بعد الذهاب ..
- إن العلاقة بين الدولة والإعلام ليست بالضرورة علاقة سيطرة، بل يمكن أن تكون علاقة شراكة استراتيجية تقوم على الدعم والتأهيل مع الحفاظ على المهنية والاستقلالية .
- ويمكن الاستفادة من تجارب معاصرة بارزة في هذا السياق :
تجربة BBC ، التي تُعد نموذجاً للإعلام العام المدعوم من الدولة عبر نظام تمويل واضح (رسوم الترخيص)، مع ضمان استقلالية تحريرية عالية، ما منحها مصداقية عالمية وتأثيراً واسعاً. وتجربة Al Jazeera ، التي استطاعت بدعم حكومي مدروس أن تتحول إلى شبكة إعلامية دولية مؤثرة، تنافس كبرى المؤسسات العالمية، مع حضور قوي في القضايا الإقليمية والدولية .
- هاتان التجربتان توضحان أن الاستثمار في الإعلام ليس ترفاً، بل هو جزء أساسي من بناء الدولة الحديثة وتعزيز حضورها الدولي .
- ومع الانفجار الهائل في الإعلام الرقمي، أصبحت الفوضى سمة بارزة في المشهد، حيث تتداخل الصحافة التقليدية مع منصات التواصل الاجتماعي دون ضوابط مهنية واضحة. فبدلاً من تأسيس منصات رقمية متخصصة ذات محتوى احترافي، نرى إعادة إنتاج لمحتوى تقليدي بصيغ رقمية ضعيفة، مما يضعف ثقة الجمهور ويشوّه الممارسة الإعلامية .
- إن الحاجة أصبحت ملحة لوضع أطر قانونية وتنظيمية تضبط عمل المنصات الرقمية، وتضمن المهنية دون تقييد حرية التعبير، بما يخلق بيئة إعلامية صحية قادرة على المنافسة .
أخيراً ....
- يبقى السؤال قائماً: متى تدرك الدولة السودانية أن الإعلام ليس مجرد وسيلة نقل أخبار، بل هو صناعة استراتيجية تتطلب استثماراً حقيقياً في الكوادر، والبنية التحتية، والسياسات؟ ومتى يتم تجاوز المحاصصات والمحسوبيات لصالح بناء نموذج إعلامي وطني قادر على المنافسة إقليمياً ودولياً؟
- إن الإجابة على هذه الأسئلة قد تمثل بداية الطريق نحو استعادة الدور الريادي الذي كان يمكن أن يلعبه السودان في مجال الإعلام، لو توفرت الإرادة والرؤية .