الأستاذ طراف جادكريم… سيرة رجلٍ علّم الناس قبل أن يعلّم المناهج  

كتب -المهندس ابراهيم الأمين خلف الله -قوانزو  

image-213.jpeg

 

حينما يُذكر الرجال الذين يتركون أثرًا لا تمحوه السنين، وتبقى سيرتهم حيّة في القلوب قبل الدفاتر، يبرز اسم خالي الأستاذ طراف جادكريم، ذلك الرجل الذي جمع بين الأخلاق الرفيعة، والعلم، والتواضع، وخدمة الناس، فكان مدرسةً تمشي على قدمين، قبل أن يكون معلّمًا داخل الفصول .

هو رجل مهذّب، راقٍ في تعامله، متديّن بسماحة ووعي، يحترم الصغير قبل الكبير، ويُجِلّ الكبير دون تكلف، فتشعر وأنت تجالسه أن الاحترام خُلُق أصيل فيه لا يتصنّعه ولا يتغيّر بتغيّر المواقع والمناصب. كان وما زال مثالًا حيًا للأدب السوداني الأصيل، والشيم النبيلة التي تربّى عليها جيلٌ كامل .

يُعد الأستاذ طراف جادكريم من أقدم المعلّمين في الجريف شرق، وواحدًا من أعمدتها التربوية الراسخة. لم يكن التعليم عنده وظيفة، بل رسالة حملها بصدق وأدّاها بإخلاص. تنقّل في التدريس بين عدد من ولايات السودان، وأينما حلّ ترك خلفه سمعةً طيبة، وأثرًا حسنًا، وطلابًا يذكرونه بالخير، وشهودًا على صدق عطائه .

ومن المحطات المضيئة في مسيرته، عمله لسنوات طويلة في مدرسة الشيخ مصطفى الفادني، حيث سكن هو وأسرته مع المدرسة وأهلها، فكان واحدًا منهم، يعيش بينهم ويشاركهم تفاصيل حياتهم. ورغم أن تلك الأيام مضى عليها أكثر من أربعين عامًا، إلا أن ذكراه ما زالت حاضرة هناك، لم تُمحَ ولم تُنسَ .

وأذكر أنني في إحدى المرات زرت الشيخ مصطفى برفقة الأستاذ أبو القاسم عثمان، وحضرت مناسبة اجتماعية هناك، وحينما عرّفتهم بنفسي وقلت إنني من الجريف شرق وابن أخت الأستاذ طراف جادكريم، انطلقت الألسن بالثناء، وتدفّقت الذكريات. تحدثوا عن أدبه، وذوقه العالي، ومكارمه، والقيم التي تعلّموها منه، حتى إنهم ما زالوا يحتفظون بطريقة توقيعه، فأحضروا ورقة، وقام ثلاثة أو أربعة أشخاص بتقليده كما هو، في مشهد مؤثر يدل على عمق الأثر الذي تركه في نفوسهم .

لم يقتصر عطاؤه على التعليم داخل الفصول، بل شغل مناصب عدة في وزارة التربية والتعليم، فعمل في التوجيه التربوي، ثم مديرًا للتعليم بشرق النيل، وأسهم في تطوير العملية التعليمية بعقلٍ منفتح وخبرة طويلة. وبفضل سمعته الطيبة وثقة الناس فيه، تم ترشيحه نائبًا للدائرة، فأصبح عضوًا في المجلس الوطني، ومع ذلك لم تغيّره المناصب، ولم تُبدّل تواضعه المعهود؛ بقي هو هو، بسيطًا قريبًا من الناس، يسير بينهم بلا حواجز .

 

يمتاز الأستاذ طراف جادكريم بكرمٍ فيّاض، وبيتٍ مفتوح لا يُغلق في وجه أحد. وخلال هذه الحرب القاسية، لم يغادر السودان، بل ثبت في مكانه، وكان بيته ملاذًا ومقرًا للتكية، تُعدّ فيه الوجبات، ويُصنع الطعام بيديه وأهل بيته، ثم يُوزّع على أهل الحي دون منٍّ أو أذى، في صورة ناصعة لمعنى التكافل الحقيقي .

image-214.jpeg

وكان إلى جانب ذلك خطيبًا بليغًا، من أشهر الخطباء الذين مرّوا على مسجد الشيخ سرحان. امتدت فترته في الخطابة زمنًا طويلًا، وكان يؤمّ الناس في صلاة الجمعة والأعياد. تميّزت خطبه بالجمال والعمق والرزانة، فكانت ممتعة في أسلوبها، غنية في مضمونها، تستقطب المصلين من مناطق بعيدة. ومن فرط اهتمامه بالناس، كان يحفظ أماكن جلوسهم في المسجد، فإذا توفي أحدهم، نعاه في خطبة الجمعة، وذكره بالخير، وقال: كان يجلس هنا، في هذا المكان، في موقف إنساني يلامس القلوب .

عُرف عنه كذلك أناقته الدائمة، ولبسه الراقي النظيف، وحرصه على الزي السوداني الكامل: الجلابية والعمامة، في صورة تعكس احترامه لنفسه ولمجتمعه. يعامل الجميع بتواضع واحترام، يشارك في الأفراح كما يحضر الأتراح، يستقبل الناس ببشاشة وابتسامة صادقة، واصلٌ لرحمه، حريص على صلته بأهله وأقاربه .

ومن صفاته اللافتة حبه للنظافة والنظام، إلى درجة أنه كان ينظف الشارع بنفسه، حتى في أيام عضويته بالمجلس الوطني، دون أن يرى في ذلك انتقاصًا من قدره، بل شرفًا وسلوكًا حضاريًا يعكس وعيه وتربيته .

 

إن الحديث عن الأستاذ طراف جادكريم هو حديث عن جيلٍ نادر، جيلٍ قدّم القيم قبل المناهج، وربّى بالقدوة قبل الكلمة، وترك أثرًا لا تُغيّره الأيام ولا تمحوه السنين .

 

نسأل الله أن يحفظه، ويحفظ أسرته، ويمتّعه بموفور الصحة والعافية، ويجزيه عن علمه وعمله وخدمته للناس خير الجزاء، وأن يجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وأن يبقى نموذجًا يُحتذى به للأجيال القادمة .

 

 

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان