البروفيسور كمال أحمد.. العالم الذي أحب الناس فأحبوه   

image-1275.jpeg

المهندس ابر اهيم الأمين خلف الله 

                                

حين يُذكر اسم البروفيسور كمال أحمد يوسف محمد فإننا لا نتحدث فقط عن أستاذ جامعي كبير أو إداري ناجح أو عالمٍ من علماء السودان، وإنما نتحدث عن إنسانٍ استثنائي جمع بين العلم والأخلاق، بين الهيبة والبساطة، بين الوقار وروح الدعابة، فصار محبوباً لدى الجميع؛ الطلاب، والزملاء، وأهل الأحياء، والرياضيين، وحتى البسطاء الذين لا يعرفون شيئاً عن شهاداته ومناصبه . 

 

ولد البروفيسور كمال أحمد بمدينة الخرطوم عام 1970م، وترعرع في بيئة سودانية أصيلة غرست فيه قيم الاحترام والتواضع وحب الناس. ومنذ سنواته الأولى كان واضحاً أنه يسير نحو مستقبل مختلف، فامتلك روح الاجتهاد والطموح، واختار طريق العلم حتى أصبح واحداً من أبرز الأكاديميين في مجال المحاسبة بالسودان . 

 

نال درجة البكالريوس في المحاسبة من جامعة وادي النيل عام 1996م، ثم درجة الماجستير من جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا عام 2000م، قبل أن ينال الدكتوراه في المحاسبة من جامعة النيلين عام 2007م. وبعدها بدأت رحلته الكبيرة في التدريس والإدارة الجامعية، فتدرج من مساعد تدريس إلى محاضر ثم أستاذ مساعد فأستاذ مشارك حتى أصبح بروفيسوراً في المحاسبة، وتولى العديد من المناصب المهمة، أبرزها عمادة كلية التجارة ووكالة جامعة النيلين، إلى أن وصل الآن الى عميد كلية  الدراسات العليا بجامعة النيلين ،بجانب ذلك فهو رئيساًًًً  للجنة الإيرادات بالجامعة   

و عضواً في لجنة ترقية أعضاء هيئة التدريس وعضواً في لجنة منح استاذ امتياز . 

 

لكن رغم هذا المجد الأكاديمي الكبير، ظل البروفيسور كمال إنساناً بسيطاً قريباً من الناس بصورة مدهشة. لم تغيّره المناصب ولا الألقاب، بل زاده العلم تواضعاً. كان يجلس مع الجميع دون تكلف، يحترم الكبير والصغير، ويمنح كل شخص اهتمامه الكامل مهما كانت مكانته الاجتماعية. ولذلك أحبه طلابه حباً استثنائياً؛ لم يكونوا يرون فيه مجرد أستاذ يشرح المحاضرات، بل أباً ومربياً وصديقاً قريباً منهم. كان يتعامل معهم بإنسانية كبيرة، يستمع إليهم، يساعد المحتاج منهم، ويزرع فيهم الثقة والأمل. ولهذا ظل محبوباً داخل قاعات الجامعة وخارجها، وتجد طلابه يتحدثون عنه دائماً بكل فخر وامتنان . 

 

وكان البروفيسور كمال صاحب شخصية مرحة وحضور خفيف يدخل البهجة أينما حلّ. يمتلك طريقة فكاهية مميزة في الحديث، يسرد القصص بأسلوب ممتع يجذب كل من حوله، حتى إن جلساته تتحول إلى مساحة مليئة بالضحك والونس والحكايات الجميلة. وكان معروفاً كذلك بمقالبه الطريفة وسط أصدقائه، خاصة الرياضيين، إذ يحب المزاح وإثارة الضحك بينهم بروحه الشبابية التي لم تفارقه رغم سنوات العمر والمناصب الكبيرة التي تقلدها . 

image-1274.jpeg

أما الجانب الرياضي في حياته، فهو فصل كامل من الإبداع والموهبة. فالبروفيسور كمال لم يكن مجرد لاعب هاوٍ، بل كان نجماً حقيقياً يمتلك موهبة كروية نادرة. لعب في أندية الدرجة الأولى بمدينة الدامر أثناء سنوات دراسته الجامعية، وكان معروفاً بسرعته ومهارته العالية ولمساته الجميلة أمام المرمى. وقد اشتهر وقتها بتسجيل الأهداف الحاسمة والرائعة، حتى أصبح اسمه متداولاً وسط الرياضيين والمشجعين . 

 

ولا يزال كثيرون حتى اليوم يتحدثون عن هدفه الشهير بالمقصية في دوري الدرجة الأولى بالدامر، ذلك الهدف الذي ظل عالقاً في الأذهان رغم مرور السنوات الطويلة. كان هدفاً استثنائياً بكل المقاييس؛ هدفاً جمع بين الجرأة والمهارة والموهبة الفطرية، حتى إن من شاهدوه وقتها ظلوا يروونه للأجيال كواحد من أجمل الأهداف التي شهدتها ملاعب الدامر. ولم تكن تلك اللقطة مجرد صدفة، بل كانت انعكاساً لموهبة حقيقية ظل يحتفظ بها حتى اليوم، إذ ما زال يداعب الكرة بخفة ورشاقة تدهش من يشاهده، وكأن الزمن لم يستطع أن ينتزع منه ذلك اللاعب الموهوب الذي يسكن داخله . 

 

وعندما انتقل إلى حلة كوكو بعد زواجه، ثم ارتبط لاحقاً بمنطقة الجريف شرق وفريق النجوم، أصبح واحداً من رموز الفريق وأبرز شخصياته الاجتماعية والرياضية. انضم إلى فريق النجوم في نهايات التسعينات، وكان وقتها شاباً يافعاً ما زال يحتفظ بكل بريق موهبته الكروية. وفي أيام التحديات الشهيرة حيث كانت العزلة بين المرحوم عمر كمال الدين ومبارك الشفيع من جهة، وجعفر قسم الله ويس الزين من جهة أخرى، لفت الأنظار بمهاراته الكبيرة، حتى إن الجميع اتشاكلوا فيه إعجاباً بموهبته . 

 

وعندما شاهدوه لأول مرة قرروا تسجيله رسمياً بنادي كركوج  في الدرجة الثانية، لكنه رفض وفضّل أن يمارس كرة القدم كهواية ومتعة ومحبة للناس، لا سعياً وراء الشهرة أو الأضواء. ومنذ ذلك الوقت أصبح البروفيسور كمال جزءاً أصيلاً من تاريخ النجوم والجريف شرق . 

 

لقد أحب الجريف شرق حباً حقيقياً وصادقاً، حتى إن معظم الناس يظنون أنه من أبناء المنطقة الأصليين لشدة ارتباطه بها. كان يتحدث عن أهل الجريف في كل مكان، ويفتخر بطيبتهم وترابطهم ومحبتهم لبعضهم البعض. وبالمقابل أحبه أهل الجريف حباً كبيراً، لأنه لم يكن ضيفاً عليهم، بل واحداً منهم يعيش أفراحهم وأحزانهم ويقف معهم في كل المواقف . 

 

وكان حضوره للتمارين والمباريات يحمل دائماً طعماً خاصاً. يأتي بعربته محملاً بالبطيخ، فتتحول الأجواء إلى فرح وضحك وونس جميل. وإذا انتصر فريقه في التمرين  ، يبدأ في فتح أبواب العربية وتشغيل أغاني الحماس والعرضة بأعلى صوت وسط تفاعل الجماهير واللاعبين بالعرض والرقص ، أما إذا خسر الفريق فإنه يركب عربته بهدوء ويغادر سريعاً مخلفاً خلفه عجاجاً يثير الضحك والدهشة . 

 

ومن أجمل المواقف الإنسانية التي تعبّر عن عمق العلاقة بينه وبين أهل الجريف، قصة المشجع الراحل السر العطا. فقد غاب البروفيسور كمال يوماً عن التمارين، فشعر السر العطا بالقلق عليه، وذهب في الصباح الباكر إلى منزله بحلة كوكو ليطمئن عليه. وعندما فتح له البروفيسور الباب سأله: “مالك يا السر؟” فقال له السر بكل عفوية ومحبة: “والله جيت أفقدك وأشوفك غايب ليه.” عندها انفجر البروفيسور كمال بالبكاء من شدة التأثر، واحتضنه بحرارة. كانت لحظة صادقة تختصر حجم المحبة الحقيقية التي ربطته بالناس، محبة لا تقوم على المصالح، بل على الوفاء والإنسانية النادرة . 

 

ولم يكن البروفيسور كمال مجرد لاعب أو مشجع داخل النجوم، بل كان أحد حكماء الفريق ورجالاته الكبار. فعندما تضيق الأمور وتشتد الخلافات، يظهر بحكمته وفطنته ليعيد الاستقرار ويجمع الناس حول المحبة. وكان الجميع يثقون في رأيه ويحترمون كلمته، لأنه رجل صادق يحمل قلباً نظيفاً وعقلاً راجحاً . 

 

لقد استطاع البروفيسور كمال أحمد أن يصنع نموذجاً نادراً لرجل العلم والإنسان والرياضي في آنٍ واحد. عالم كبير، وأستاذ محبوب، ولاعب موهوب، وصديق وفيّ، وإنسان بسيط لا تفارقه الابتسامة وروح الدعابة. لذلك بقي قريباً من القلوب أينما ذهب، وبقيت سيرته الجميلة حاضرة في جامعة النيلين، وفي الجريف شرق، وفي فريق النجوم، وفي ذاكرة كل من عرفه أو جالسه . 

 

وسيظل البروفيسور كمال أحمد واحداً من أولئك الرجال الذين لا تُقاس قيمتهم بالمناصب والشهادات فقط، بل بالمحبة التي تركوها في قلوب الناس، وتلك هي أعظم سيرة يمكن أن يتركها الإنسان خلفه . 

 

 

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان