السودان والسعودية.. مجلس جديد يترجم عمق الأخوة إلى شراكة وتنمية  

الإعلامية الدكتوره ابتسام جسور  

مستشار العلاقات الدولية  

image-1914.jpeg

 

لطالما بشّرتُ بقيام هذا المجلس، انطلاقًا من متابعتي وقراءاتي العامة لمسيرة العلاقات السودانية السعودية، وما تحمله هذه العلاقات من خصوصية تاريخية وروابط راسخة من الأخوة والتقدير والمصالح المشتركة .

 

واليوم، ونحن نشهد الانتقال من عمق العلاقات الأخوية إلى عمل مؤسسي أكثر تنظيمًا في مجالات الاستثمار والتنمية والإعمار، فإننا أمام خطوة تستحق التوقف عندها كثيرًا، ليس باعتبارها اتفاقًا أو مجلسًا جديدًا فحسب، وإنما باعتبارها فرصة حقيقية لبناء مرحلة مختلفة في العلاقات بين البلدين .

 

السودان والسعودية تجمعهما علاقات تتجاوز المصالح الاقتصادية المباشرة؛ فهي علاقات شعبين، وتاريخ وجوار، وروابط اجتماعية وثقافية وإنسانية عميقة. وقد أثبتت المملكة العربية السعودية، في محطات عديدة، حضورها إلى جانب السودان، واهتمامها بأمنه واستقراره ومستقبله .

ولذلك فإن قيام إطار مؤسسي للتعاون والتنسيق يمكن أن يمثل جسرًا حقيقيًا بين الإمكانات السودانية والطموحات السعودية، خاصة في مرحلة يحتاج فيها السودان إلى إعادة بناء اقتصاده وبنيته التحتية، واستعادة قدراته الإنتاجية، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار .

 

وأرى أن القيمة الحقيقية لهذا المجلس ستظهر عندما يتحول من إطار تنسيقي إلى منصة لصناعة المشاريع والشراكات؛ من الزراعة والثروة الحيوانية، إلى التعدين والطاقة والبنية التحتية، مرورًا بالنقل والخدمات والسياحة والصناعات التحويلية، وصولًا إلى تمكين القطاع الخاص ورواد الأعمال والشباب والمرأة .

 

إن السودان لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار ما تهدم، بل يحتاج إلى إعادة بناء اقتصاد قادر على النمو والاستدامة، وهنا يمكن للشراكة السعودية السودانية أن تكون نموذجًا مهمًا للتكامل الاقتصادي العربي .

 

ومن واقع متابعتي للعلاقات بين البلدين، أرى أن المرحلة القادمة ينبغي أن تقوم على ثلاثة مسارات متوازية :

 

أولًا: الاستثمار المنتج

بحيث تتحول الفرص والإمكانات السودانية إلى مشاريع واضحة ومدروسة، توفر رأس المال والتقنية والخبرة وتخلق فرص العمل .

 

ثانيًا: التنمية وإعادة الإعمار

من خلال مشاريع ذات أثر مباشر على حياة المواطن السوداني، خاصة في البنية التحتية والخدمات والصحة والتعليم والطاقة والمياه .

 

ثالثًا: الشراكة الشعبية والمجتمعية

لأن العلاقات بين الشعوب هي التي تمنح العلاقات الرسمية قوتها واستدامتها، ومن المهم أن تمتد الشراكة إلى الثقافة والإعلام والمجتمع المدني والمرأة والشباب والفعاليات الاقتصادية والمهنية .

 

إنني أنظر إلى هذا المجلس بتفاؤل كبير، ليس من باب الأمنيات، وإنما استنادًا إلى تاريخ طويل من العلاقات الطيبة، وإلى ما نشهده اليوم من توجه متزايد نحو التعاون الاقتصادي والتنموي بين البلدين. وقد تناول الجانبان بالفعل دعم التعافي الاقتصادي وتمويل مشروعات إعادة الإعمار، بما يؤكد أهمية هذا المسار. (وزارة المالية و التخطيط الاقتصادي )

 

السعودية بالنسبة للسودان ليست مجرد شريك اقتصادي، والسودان بالنسبة للسعودية ليس مجرد سوق أو فرصة استثمارية .

 

إنها علاقة أعمق من ذلك بكثير؛ علاقة أخوة وجوار وتاريخ ومصالح مشتركة، يمكن أن تتحول اليوم إلى شراكة تنموية حقيقية إذا أحسنا استثمار هذه اللحظة .

 

ولعل أجمل ما يمكن أن نراه في المرحلة المقبلة هو أن تتحول عبارة “العلاقات السودانية السعودية” من عنوان دبلوماسي إلى مشاريع قائمة، ومصانع تعمل، ومزارع تنتج، وطرق تُبنى، ومدن تُعمر، وشباب يجدون فرصهم، وشراكات اقتصادية تمتد آثارها إلى المواطن في البلدين .

 

إن قيام المجلس ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة .

 

مرحلة نأمل أن يكون عنوانها :

الأخوة التي تتحول إلى شراكة.. والشراكة التي تصنع التنمية.. والتنمية التي تبني المستقبل .

 

الإعلامية والكاتبة  

مستشار العلاقات الدولية  

يشارك: