" النور الذي لا ينطفئ: كيف غيّر الدكتور النور جادين وجه الإعلام السوداني إلى الأبد " 

الهادي قرن 

image-43.jpeg      

في قلب مدينة كوستي، عروس النيل الأبيض، حيث يهمس النيل بأغانيه القديمة ويعزف القطار سيمفونية الزمن، وُلدت قامة إعلامية استثنائية، لا يشبهها أحد، ولن يجود الزمان بمثلها. إنه الدكتور النور جادين، الإعلامي الكبير، والأستاذ الجامعي، والمفكر الذي تجاوز حدود المألوف، ليصنع لنفسه مجدًا لا يُنسى، ويترك بصمة لا تُمحى في ذاكرة السودان .

كوستي ليست مجرد مدينة، بل هي حالة وجدانية، تنام على ضفاف النيل وتستيقظ على أنغام النقل النهري وصوت القطار. في هذه البيئة المشبعة بالجمال، ترعرع الدكتور النور جادين، وتكوّنت شخصيته المتفردة، التي جمعت بين الرقة والصلابة، وبين الحلم والواقعية. كوستي منحته الإلهام، والنيل الأبيض منحه السكينة، فكان نتاجها رجلًا يحمل في قلبه وطنًا، وفي عقله رؤية، وفي صوته رسالة .

في عالم الأكاديميا، يُعد الحصول على شهادة دكتوراه إنجازًا كبيرًا، لكن الدكتور النور جادين كسر القاعدة، ونال اربع شهادات دكتوراه في مجالات إعلامية متعددة، ليصبح أول سوداني يدخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية في هذا المجال. هذا الإنجاز لم يكن مجرد رقم، بل كان انعكاسًا لشغفه بالعلم، وحرصه على التميز، وإيمانه بأن الإعلام ليس مهنة، بل رسالة تحتاج إلى أدوات معرفية عميقة .

خاض الدكتور النور جادين تجربة سياسية قصيرة، عُيّن خلالها مستشارا لوالي النيل الابيض و مديرًا عامًا لوزارة الثقافة والإعلام بولاية النيل الأبيض. ورغم أهمية المنصبين، لم يجد فيهما ذاته، فعاد سريعًا إلى المكان الذي ينتمي إليه حقًا: قاعات الجامعات. هناك، حيث تُصنع العقول وتُبنى الأجيال، وجد رسالته الحقيقية، وظل يدرّس ويُخرج دفعات من الإعلاميين الذين أصبحوا اليوم نجومًا في سماء الإعلام السوداني .

لم يكتف الدكتور النور جادين بالتدريس الجامعي، بل أسس مركزًا تدريبيًا يُعد اليوم من أهم المؤسسات الإعلامية في السودان: مركز النور جادين للتدريب الإعلامي. هذا المركز أصبح قبلة للطلاب من كل حدب وصوب، يقدم ورشًا تدريبية متقدمة، ويحتضن المواهب، ويُعدّ منصة حقيقية لصقل المهارات الإعلامية وفقًا لأعلى المعايير العالمية .

 

من النادر أن تجد إعلاميًا سودانيًا لم يتتلمذ على يد الدكتور النور جادين، أو لم يتأثر بفكره، أو لم يستلهم من تجربته. فهو ليس مجرد أستاذ، بل هو صانع أجيال، ومهندس فكر، وملهم لكل من سار على درب الإعلام. طريقته في التدريس، وأسلوبه في الحوار، وعمقه في التحليل، جعلته نموذجًا يُحتذى، ومصدرًا للإلهام في كل قاعة دراسية وكل منبر إعلامي .

يمتاز الدكتور النور جادين بفكر موسوعي، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين المحلية والعالمية. كتاباته، ومحاضراته، ومداخلاته الإعلامية، تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الإعلام، ودوره في تشكيل الوعي الجمعي، وبناء الهوية الوطنية. لا يتعامل مع الإعلام كأداة لنقل الأخبار فقط، بل كوسيلة لتغيير المجتمعات، وتحقيق العدالة، وتعزيز الحوار .

رغم أن جذوره ضاربة في السودان، إلا أن تأثير الدكتور النور جادين تجاوز الحدود، وامتد إلى المحافل الإقليمية والدولية. شارك في مؤتمرات عالمية، وقدم أوراقًا بحثية نالت إعجاب المختصين، وساهم في تطوير مناهج إعلامية في عدد من الدول الإفريقية والعربية. اسمه أصبح مرادفًا للتميز، وصورته أصبحت رمزًا للريادة .

يقول أحد الإعلاميين البارزين: "لو لم يكن هناك دكتور النور جادين، لكان علينا أن نخترعه. هو مدرسة قائمة بذاتها، لا تُدرّس فقط، بل تُلهم وتُغيّر." ويقول أحد طلابه: "كلما وقفت أمام الكاميرا، أسمع صوته في داخلي، يعلّمني كيف أكون صادقًا، وكيف أكون مسؤولًا ."

 

الدكتور النور جادين ليس مجرد اسم في سجل الإعلام السوداني، بل هو إرث حيّ، ونور لا ينطفئ. كل كلمة قالها، وكل طالب علّمه، وكل فكرة طرحها، هي جزء من هذا الإرث العظيم. السودان مدين له بالكثير، والإعلام السوداني ما كان ليكون كما هو اليوم لولا بصمته العميقة .

 

إن الحديث عن الدكتور النور جادين هو حديث عن النبوغ، والريادة، والرسالة. هو تجسيد حيّ لعبارة "الإعلام رسالة"، وهو دليل على أن الشغف والمعرفة يمكن أن يصنعا المعجزات. في زمن تتغير فيه الوجوه وتُنسى فيه الأسماء، يبقى الدكتور النور جادين حاضرًا، ملهمًا، ومضيئًا كالنور الذي لا ينطفئ .

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان