بمناسبة اليوم العالمي للراديو  

الراديو وعاصفة التطور الرقمي  

الدكتور محجوب بخيت محجوب  

image-836.jpeg

صوتٌ يصدحُ عبر الأثير، كان رفيقًا للصباحات الهادئة والأمسيات الدافئة، يمر اليوم بعاصفة التطور الرقمي التي غيرت وجه الإعلام. الراديو، ذلك الصندوق السحري الذي جمع الأجيال، يجد نفسه في مواجهة تحديات وجودية مع صعود عمالقة الإعلام الجديد: وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي. هذه التحديات ليست مجرد عقبات، بل هي رياح التغيير التي تدفع سفينته نحو آفاق جديدة .  

أمواج التواصل الاجتماعي وصوت الراديو  

لقد تغيرت عادات الاستماع، فالمستمع لم يعد أسيرًا لموعد بث محدد. بات يبحث عن محتواه المفضل بلمسة زر، في أي مكان وزمان. منصات مثل يوتيوب وتيك توك تقدم وليمة من المحتوى الصوتي والمرئي حسب الطلب، مما يقلص من مساحة الراديو التقليدي في حياة الناس. ولم تعد المنافسة محصورة بين المحطات الإذاعية، بل امتدت لتشمل المؤثرين وصناع المحتوى الذين يصنعون "محطاتهم الخاصة" عبر البودكاست، مقدمين محتوى متخصصًا يلامس اهتمامات فئات معينة من الجمهور .  

أما التفاعل، فقد أصبح فوريًا ومباشرًا. لم يعد المستمع يكتفي بالاتصال الهاتفي أو الرسائل، بل بات يشارك في صناعة المحتوى ويعلق مباشرة، وهو ما يدفع الراديو إلى تطوير آليات تفاعلية أكثر حيوية ليبقى جزءًا من هذه المحادثة المستمرة .  

الذكاء الاصطناعي: شبح يلوح في الأفق أم شريك جديد؟  

لقد أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنتاج محتوى بشكل آلي، من صياغة الأخبار إلى انتقاء الموسيقى، مما يهدد الدور التقليدي للمذيع والمحرر. ومع ظهور المذيعين الافتراضيين، يبرز تساؤل حول مستقبل الأصوات البشرية التي ألفناها. كما أن قدرة الذكاء الاصطناعي على تخصيص المحتوى لكل مستمع على حدة، تحدٍ آخر للراديو الذي يقدم محتوىً واحدًا للجميع. إنها معضلة بين الكفاءة الآلية ودفء العلاقة الإنسانية .  

image-835.jpeg

كيف يجد الراديو طريقه؟  

الراديو لا يستسلم، بل يتبنى استراتيجيات جديدة. بدأ بالتحول إلى الراديو الرقمي، مستخدمًا الإنترنت والتطبيقات للوصول إلى جمهوره أينما كان. كما أنه يدمج منصات التواصل الاجتماعي ليصبح جسرًا بينه وبين مستمعيه، ينشر مقتطفات من برامجه ويبني مجتمعًا حول علامته التجارية .  

ولكن الأهم من ذلك، يركز الراديو على ما يجعله فريدًا: المحتوى الفريد ذو الطابع الإنساني. يركز على الحوارات العميقة، والتحليلات الموثوقة، والمحتوى المحلي الذي يعكس روح المجتمع. كما أن العلاقة الحميمة بين المذيع والمستمع، والتي تبنى عبر الثقة والوقت، تظل ميزة لا يمكن لآلة أن تحاكيها .  

في النهاية، الراديو لا يموت. إنه يجدد جلده، ويستلهم من التحديات التي يواجهها ليتحول من مجرد وسيلة بث إلى منصة إعلامية متعددة الأوجه، تجمع بين عراقة الصوت ومرونة العصر الرقمي. فهل سيتمكن من الحفاظ على سحره في هذا العالم المتغير؟  

 

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان