من مشاهير مدينة أم درمان  

الراحلة زينب بت بتي… بصيرة العظام وصاحبة الأيادي الرحيمة  

image-1695.jpeg

في ذاكرة أم درمان أسماء لا تغيب، لأنها لم تعش لنفسها، بل جعلت من العلم المتوارث والخبرة والرحمة أبواباً لخدمة الناس. ومن بين تلك الأسماء الخالدة تبرز الراحلة زينب مصطفى أحمد بتي، المعروفة لدى السودانيين باسم زينب مصطفى  بت بتي، أشهر المعالجات الشعبيات لرضوض وكسور العظام في السودان، وإحدى الشخصيات البارزة في تاريخ مدينة أم درمان الاجتماعي والإنساني .  

image-1696.jpeg

وُلدت زينب عام 1927م في ود أرو بحي القلعة في أم درمان، وتنتمي إلى فرع البتياب من قبيلة الجموعية. وقد ورثت خبرتها في علاج العظام عن والدها أحمد ود بتي، الذي كان من أشهر «البُصَراء»؛ وهو الاسم الذي يُطلق في السودان على المعالج الشعبي المتخصص في جبر الكسور وإصابات العظام .  

 

بدأت زينب ممارسة هذا العمل الإنساني مبكراً، وكان أول من عالجته ابنها صلاح، بعدما أصيب بكسر لم يتمكن جدّه من مباشرة علاجه، بسبب ما غلب عليه من عاطفة الأبوة والحنان تجاه حفيده. ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلة زينب الطويلة مع علاج المصابين، حتى أصبح اسمها معروفاً في جميع أنحاء السودان .  

 

ارتبط اسم زينب بت بتي بصورة خاصة بتاريخ الرياضة السودانية، فقد عالجت عددًا كبيرًا  من لاعبي كرة القدم في أندية الهلال والمريخ والموردة والنيل والأهلي، إلى جانب لاعبي الأندية الصغيرة في العاصمة المثلثة. وكان اللاعبون والإداريون يقصدون منزلها عند الإصابة بالكسور والرضوض وإصابات الملاعب المختلفة، لما عُرف عنها من مهارة ودقة وخبرة واسعة .  

 

ولم يقتصر علاجها على الرياضيين، بل قصدها كثير من المشاهير وكبار الشخصيات. ومن أبرز من عالجتهم الرئيس السوداني الأسبق الفريق إبراهيم عبود، الذي كان يعاني إصابة في أحد مفاصله، كما عالجت الرئيس جعفر محمد نميري بعد سقوطه من حصان وإصابته بكسر في يده .  

 

وامتدت شهرتها إلى خارج السودان، فقصدها الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي للعلاج من إصابة في الظهر، كما عالجت عدداً من الشخصيات العربية القادمة من المملكة العربية السعودية والإمارات وغيرها، فضلاً عن زوار أجانب سمعوا عن براعتها من السودانيين الذين عرفوا فضلها وخبرتها .  

 

وقد شهد لها كثيرون بقدرتها على التعامل مع حالات الكسور والإصابات الصعبة، حتى إن بعض الحالات التي استعصى علاجها على الأطباء كانت تُحال إليها من المستشفيات. وفي أم درمان القديمة، كان من النادر أن يُصاب شخص بكسر ولا يقصد منزل زينب بت بتي، طلباً للعلاج على يديها اللتين ارتبطتا في وجدان الناس بالمهارة والبركة والرحمة .  

 

ظل بيتها مفتوحاً لعقود طويلة، يستقبل المرضى في الليل والنهار. ولم تكن تشترط مبلغاً محدداً مقابل العلاج، بل كانت تترك الأمر لاستطاعة المريض وظروفه المادية. وكان همّها الأول تخفيف الألم ومساعدة المحتاج، دون أن تجعل من مهنتها وسيلة للتكسب أو الاستغلال .  

 

وفي علاج الكسور، كانت تعتمد على مهارتها التقليدية وخبرتها المتوارثة، إلى جانب استخدام الماء البارد أو الساخن في الكمادات، بحسب طبيعة الإصابة. وكانت تتمتع بحكمة كبيرة ومعرفة دقيقة بحدود عملها؛ فكما كانت بعض المستشفيات تحيل إليها الحالات المناسبة، كانت هي بدورها تحيل حالات الكسور المركبة والخطيرة إلى المستشفيات، حرصاً على سلامة المريض .  

 

وقد رفضت زينب بت بتي اقتراحاً بفتح عيادة متخصصة لتطوير عملها، رغم أن الرئيس نميري كان قد كرّمها في يوم المرأة ومنحها جائزة ثمينة. وكان سبب رفضها نابعاً من فلسفتها الإنسانية؛ إذ رأت أن فتح عيادة سيحمّل المرضى تكاليف لا يقدر عليها كثير منهم، وقد يحرمها من الأجر والثواب الذي كانت تبتغيه من خدمة الناس .  

image-1697.jpeg

لم تكن زينب بت بتي مجرد معالجة شعبية، بل كانت مؤسسة اجتماعية وإنسانية قائمة بذاتها. كانت امرأة حكيمة، خبيرة بمهنتها، رحيمة بالفقراء، معروفة بالتواضع والنزاهة، وقد استقبلت في بيتها البسطاء والمشاهير، والرياضيين والأطباء، دون تمييز بين غني وفقير أو صاحب منصب ومواطن عادي .  

 

توفيت زينب بت بتي يوم الثلاثاء 21 فبراير 2006م، وشيعتها أم درمان في موكب مهيب يليق بامرأة خدمت أهلها ووطنها طوال عقود، وتركت في كل بيت قصة شفاء، وفي كل قلب ذكرى طيبة .  

 

رحم الله الراحلة زينب بت بتي رحمة واسعة، وجزاها عن أهل السودان خير الجزاء. ستظل سيرتها شاهداً على عظمة المرأة السودانية، وعلى ما تختزنه أم درمان من شخصيات صنعت تاريخها بالعلم الشعبي، والرحمة، وخدمة الإنسان .  

 

كلمات وفاء… من أجل حفظ سيرة الذين خدموا الوطن والناس بصمت وإخلاص .  

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان