الشيخ السني الدليل خطيبٌ حمل الأمانة… وإمامٌ سكن القلوب قبل أن يعلو المنبر  

القاهرة- المهندس ابراهيم الأمين خلف الله  

image-606.jpeg

 

﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾  

 

حين يرحل الرجال العاديون، يُنسَون مع الأيام،  

وحين يرحل الصالحون، يبقون أثرًا لا يغيب،  

وحين يرحل أمثال الشيخ السني الدليل، يبقى الفراغ شاهدًا على عِظم الحضور .  

نكتب عنه لا تزكيةً له على الله، فالله أعلم بعباده، ولكن وفاءً لرجلٍ عاش كريم الخلق، نقي السريرة، مستقيم السلوك، حتى صار ذكره مقرونًا بالسكينة، واسمه مرتبطًا بالمسجد، وصوته محفورًا في ذاكرة المصلين .  

 

مولده ونشأته  

 

وُلد الشيخ السني الدليل بالجريف شرق في الأول من يوليو عام 1958م، ونشأ في بيئةٍ تشربت القيم قبل الكلمات، فشبّ متدينًا، مهذبًا، خلوقًا، يشبه في أدبه وتعامله وتدينه صحابة رسول الله ﷺ؛ أولئك الذين كان الدين في أخلاقهم قبل أقوالهم، وفي سلوكهم قبل مظاهرهم .  

 

كان هادئ الطبع، وقور الهيئة، لا يعرف التصنع ولا التكلف، قريبًا من الناس دون أن يبتذل نفسه، بعيدًا عن الأضواء دون أن ينعزل، فاجتمع له القبول والمحبة من حيث لا يسعى .  

 

مسيرته العلمية  

 

بدأ الشيخ السني تعليمه بـ :  

 •  مدرسة الجريف شرق الابتدائية  

 •  معهد الجريف     

 •  مدرسة الشعب الثانوية العليا  

 

ثم واصل دراسته الجامعية في جامعة القاهرة – فرع الخرطوم، بكلية التجارة، قسم المحاسبة، جامعًا بين العلم الأكاديمي والانضباط السلوكي، وبين الفهم الدنيوي والوعي الديني، فكان مثالًا للطالب الجاد، المتزن، الذي يعرف لماذا يتعلم، وكيف يوظف علمه في خدمة الناس .  

 

رسالته التربوية والمهنية  

 

لم يكن التعليم عند الشيخ السني وظيفة، بل رسالة. عمل معلّمًا بمدرسة حلة كوكو الابتدائية قبل تخرجه الجامعي، ثم واصل عطاءَه في :  

 •  مدرسة مدني التجارية  

 •  أم درمان الفنية  

 •  الحلفايا التجارية  

ثم رئيسًا للقسم التجاري بمدرسة خير موسى، وبعدها علي السيد الصناعية .  

كما عمل أستاذًا متعاونًا بمدارس عدة، منها :  

 •  مدرسة النوابغ الخاصة  

 •  مدارس العميد الثانوية  

ثم موجهًا بالمدارس التجارية بشرق النيل، وبعد إلغاء مادة العلوم التجارية، عمل مشرفًا بمدرسة خير موسى الثانوية حتى وافته المنية .  

نال عددًا من الشهادات التقديرية والتدريبية في الإدارة والتنمية البشرية من معهد قرطبة، إضافة إلى شهادات علمية في الفقه من عدد من العلماء، لكنه و كعادته  لم يكن يتباهى بشهادة، بل كان علمه يظهر في خُلقه، وحكمته، وتواضعه .  

 

الإمام الشاب  

ومن دلائل اصطفاء الله له، أنه عُيّن إمامًا لمسجد المحس وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، فحمل الأمانة مبكرًا، وأداها بثبات حتى آخر يوم في حياته، دون أن تغيّره السنين، أو تثقله المسؤولية، أو تجرّه الخلافات .  

 

أخلاقه… كما شهد بها من عرفه  

 

يقول صديقه ورفيق دربه حاج الضو حامد – وقد طلبت منه أن يحدثني عن الشيخ السني – فقال بصوتٍ يثقله الحزن :  

 

نحن لا نزكيه على الله، ولكن ما أصعب الخوض في سيرة هذا الرجل الفريد  

 

تزامل معه منذ المرحلة الوسطى بمعهد الشيخ يوسف بابكر، وكان منذ ذلك الوقت قليل الكلام، كثير الصمت، لا يتحدث إلا فيما يفيد. لم يعرفوا عنه لغو الحديث، ولا المزاح الزائد، ولا الانشغال بما لا يعنيه. وإذا بدر من أحدهم كلام لا يرضيه، قابله بابتسامة هادئة، دون خصام أو إساءة .  

 

كان رجل مواقف قبل أن يكون رجل كلمات. يحث زملاءه على الصلاة في وقتها، وكان وقت صلاة الظهر يصادفهم في المدرسة، فيجمعهم للصلاة جماعة، ويدعوهم في الأمسيات لحضور مجالس العلم، حيث كانوا يحضرون دروس التوحيد وغيرها .  

وحين انتقلوا إلى مدرسة بحري الشعبية، لم يتغير الشيخ السني، بل ظل ثابتًا على أخلاقه وتدينه. ولم يكن في المدرسة مسجد، فبحثوا حتى وجدوا مخزنًا قديمًا، نظفوه وفرشوه، وحولوه إلى مسجد تُقام فيه الصلاة جماعة .  

وفي عمر المراهقة، حيث الفتن قريبة، يقول الحاج الضو :  

وبفضل الله ثم بفضل الشيخ السني، حفظنا الله من كثير من الفتن .  

كانوا يخرجون من المدرسة إلى بيوتهم مباشرة، ثم يلتقون للمذاكرة مساءً، واستمرت هذه الصحبة الطيبة حتى جامعة القاهرة، حيث ظل الشيخ السني كما هو: ثابت الأخلاق، واضح الطريق، نقي السيرة .  

الشيخ على المنبر  

حين اعتلى الشيخ السني منبر مسجد المحس، لم يكن خطيبًا صاخبًا، ولا صاحب شعارات، بل كان صوت الحكمة والاعتدال. كانت خطبه :  

 •  واضحة  

 •  مختصرة  

 •  عميقة  

 •  تمس القلوب دون تجريح  

 

لم يكن يحب الجدل ولا الخلاف، ويركز دائمًا على ما يجمع الناس لا ما يفرقهم، ويسعى لإصلاح ذات البين، ويختار كلماته بميزان العالم وخلق الداعية. لذلك أحبه المصلون، وانتظروا خطبه بشوق، وشعروا أنه واحد منهم، قريب من همومهم، صادق معهم .  

 

شهادة مؤثرة  

 

ويقول الحاج الضو حامد إنه كان متعودًا كل صباح على تنظيف الشارع كروتين يومي، وكان يعلم أن الشيخ السني يمر من ذلك الشارع متجهًا إلى عمله، فكان ينتظر مروره بشوق ولهفة، ويقول :  

عندما يمر الشيخ السني، كنت أشعر وكأنه يخلق في المكان سكينة وسعادة وروحًا… مجرد مروره كان يبعث الطمأنينة في النفس .  

ثم لم يتمالك نفسه وبكى، وقال :  

 

فقدناه كثيرًا… وكانت وفاته امتحانًا كبيرًا لي، وللمصلين، وللأهل جميعًا .  

 

الفقد… حين يغيب الإمام  

 

توفي الشيخ السني الدليل يوم السبت 02/12/2017م، ولم يكن خبر وفاته خبرًا عابرًا، بل صدمة صامتة. افتقده المسجد، وافتقده المنبر، وافتقده المصلون الذين اعتادوا صوته، ونصحه، ووجهه البشوش .  

كان فقده فراغًا أخلاقيًا قبل أن يكون فراغًا وظيفيًا، فقد رحل رجلٌ كان يُذكّر الناس بالله بحاله قبل مقاله، وبسلوكه قبل خطبته .  

 

اللهم إن عبدك الشيخ السني الدليل قد أتاك،  

اللهم فاغفر له، وارحمه، وعافه واعفُ عنه،  

وأكرم نزله، ووسع مدخله،  

واجعل قبره روضة من رياض الجنة،  

واجمعه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .  

 

رحمك الله يا شيخ السني،  

عشت كريمًا،  

ومتَّ نظيف السيرة،  

وبقيت أثرًا لا يُنسى .  

وإنا على فراقك لمحزونون،  

ولا نقول إلا ما يرضي الله .  

 

يشارك: