الذكاء الاصطناعي والإنسان: من يقود من؟
المحامي فالح سليم الدوسري

ماهو الذكاء الاصطناعي؟ يُعد الذكاء الاصطناعي كما عرفته الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) أنه من أهم التقنيات الحديثة التي تسهم بشكل ملحوظ في التطور التقني السريع وزيادة فرص الابتكار والنمو في مختلف المجالات، والذي يؤدي دوراً مهما في رفع الجودة، وزيادة الإمكانات وكفاءة الأعمال وتحسين الإنتاجية، ومع الانتشار الواسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي وكثرة الحديث عن قدراتها ، إلا أنها محفوفة بالغموض أو المبالغة التي قد ترفع مستوى التوقعات وتكون صورة غير واقعية، وهذا يجعل فهم الذكاء الاصطناعي وتقنياته وحقيقة إمكاناته غير واضحة المعالم لدى الكثير من متخذي القرار أو التنفيذيين في القطاعات الحكومية والخاصة.
تطوّرت تقنيات الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة في الفترة الزمنية الحديثة بحيث باتت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على أداء مهام كانت تُعدّ حكراً على الإنسان في مجالات متعددة، منها الطب، والصناعة، والتعليم، والاتصالات، والبرمجة، وجمع وتحليل البيانات وحتى في الأمن السيبراني، ويساهم بشكل كبير في تطوير تطبيقات معقدة تشمل السيارات ذاتية القيادة، والتشخيص الطبي، والترجمة الآلية، والمساعدات الذكية، مما يثير تحديات أخلاقية وتنظيمية متزايدة. ويجعله أحد أبرز تقنيات الثورة الرقمية العصرية، ورغم التقدم الكبير لا يزال المفهوم نفسه محل نقاش بسبب غياب تعريف دقيق وشامل.
الحديث عن العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن ينحصر في إطار المنافسة أو الصراع على القيادة كما يتصوره الكثيرون بين من يخشى هيمنة الذكاء الاصطناعي ومن يطمح إلى إخضاعه. فالحقيقة أعمق من ذلك بكثير، إذ إن العلاقة بين الطرفين هي علاقة تكاملية وتفاعلية متبادلة أكثر من كونها علاقة خصومة أو هيمنة. فالذكاء الاصطناعي لم يُخلق ليحلّ محل الإنسان أو لينازعه على دوره، بل ليكون امتدادًا لقدراته العقلية وأداةً لتوسيع مداركه وتحرير طاقاته من حدود الزمان والمكان، وما يحتاجه العالم اليوم ليس صراعًا بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بل رؤية طموح متوازنة تُعيد صياغة العلاقة بين الطرفين على أساس “الذكاء التعاوني” لا “الذكاء التنافسي”، بهذا المعنى، يصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا في التطور الإنساني لا بديلاً عنه دون أن يسلب أياً منهم جوهره الإنساني. وما إن يُبنى هذا التعاون على الثقة، والحوكمة الرشيدة، والإطار الأخلاقي السليم، حتى يتحول الذكاء الاصطناعي من مصدر قلق إلى رافعة حضارية تعيد تعريف حدود الممكن في حياة الإنسان. من المهم التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية أو برنامج يُطبّق على أجهزة الحاسوب، بل هو منظومة متكاملة تشمل بيانات ضخمة، وخوارزميات ذكية، وشبكات تعلم عميقة، وكل هذه العناصر تعمل معًا لتشكيل بيئة ذكاء اصطناعي قادرة على محاكاة بعض جوانب التفكير البشري، والتفاعل مع الانسان بشكل طبيعي، لكن على الرغم من هذا التطور الكبير يظل الذكاء الاصطناعي محدودًا بما صممه البشر له، فهو لا يملك وعيًا ذاتيًا، ولا إحساسًا بالقيم أو المبادئ الأخلاقية، ولا القدرة على الإبداع أو التفكير المجرد كما الإنسان، ولذلك تظل المسؤولية الإنسانية في توجيه الذكاء الاصطناعي واستخدامه بصورة آمنة وأخلاقية أمرًا جوهريًا، فالتقنيات الذكية تنمو وتتفوق في أداء مهام محددة، لكنها تحتاج إلى الإنسان لتحديد الأهداف، وضبط الحدود، ومراقبة النتائج، وتصحيح المسارات عند الحاجة، في الواقع، العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي يمكن تصورها كرحلة مشتركة نحو تحقيق الإمكانيات الكاملة للتقنية مع الحفاظ على القيم الإنسانية، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزز من سرعة ودقة اتخاذ القرار في الأعمال والإدارة، ويساعد على تحليل البيانات المعقدة، ويوفر رؤى جديدة تساعد الشركات والحكومات على الابتكار وتحقيق الكفاءة، بينما الإنسان يظل القائد والموجه، والمسؤول عن اتخاذ القرارات النهائية، والتأكد من توافقها مع الاحتياجات الإنسانية والأخلاقية، علاوة على ذلك يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقًا جديدة في مجالات لم تكن متاحة سابقًا، هذا الاستخدام التكميلي للتقنية يعزز من قدرة الإنسان على الابتكار ويزيد من تأثيره الإيجابي في مجتمعه، بدل أن يتحول إلى تهديد أو منافس له، ولكن لتحقيق هذا التعاون المثمر لا يكفي التوفر على التقنية وحدها، بل يتطلب ذلك وجود أطر حوكمة قوية سياسات تنظيمية واضحة، معايير أخلاقية، ووعي شامل لدى مطوري ومستخدمي الذكاء الاصطناعي هذه العوامل تضمن أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز التنمية البشرية، لا مصدرًا للمخاطر أو القلق. كما أن بناء الثقة بين الإنسان والآلة هو المفتاح لضمان أن هذه العلاقة التعاونية تستمر في النمو بشكل إيجابي ومستدام .
من المتوقع في المستقبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر اندماجًا في حياتنا اليومية، من التعليم الذكي الذي يكيّف محتواه لكل طالب، إلى المدن الذكية التي تدير الخدمات العامة بكفاءة، وصولًا إلى تحسين جودة الحياة في مختلف جوانبها وكل هذه التحسينات لن تكون ممكنة إلا من خلال علاقة تكاملية بين الإنسان والآلة، تعتمد على التعاون، الثقة، والحوكمة الرشيدة، بعيدًا عن تصور الصراع أو الهيمنة. إضافةً إلى ذلك، يتيح الذكاء الاصطناعي الفرصة لتوسيع الإبداع البشري، حيث يمكنه المساعدة في تطوير حلول مبتكرة للمشكلات المعقدة، وتحليل سيناريوهات متعددة بسرعة ودقة تفوق القدرة البشرية، مما يوفر للإنسان الوقت والمساحة للتركيز على الجوانب الإبداعية والاستراتيجية. بهذا الشكل لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تنفيذية بل شريكًا فاعلًا يثري العملية الفكرية ويعزز القدرة على اتخاذ قرارات أكثر دقة وفاعلية ومع استمرار الاعتماد على هذه التقنيات يصبح من الضروري بناء إطار حوكمة قوي ومرن، يحدد الحدود والمسؤوليات، ويضع قواعد واضحة للتعامل مع البيانات، ويضمن الشفافية، ويعزز من الثقة بين الإنسان والآلة. فبدون هذه الأطر، يمكن أن تتحول الإمكانات الكبيرة للذكاء الاصطناعي إلى مخاطر محتملة، سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي.
في النهاية المستقبل لا يُصنع عبر صراع بين الإنسان الذكاء الاصطناعي، بل عبر شراكة ذكية بينهما، حيث يكمل كل طرف الآخر الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن الإنسان، بل أداة لتوسيع قدراته، وتحرير إمكاناته، ودفع حدود الممكن إلى آفاق جديدة. ومع التعاون، والثقة، والحوكمة الرشيدة، يمكن لهذه الشراكة أن تتحول إلى قوة دافعة للتقدم الإنساني، تجعل حياتنا أكثر ابتكارًا، وأكثر كفاءة، وأكثر استدامة، وتجعل الذكاء التعاوني رمزًا للمستقبل الذي نصنعه جميعًا.