أنقذت آلاف الأرواح عندما تجرأت وقالت... "لا "!
الدكتورة فرانسيس كيلسي منحها الرئيس جون كنيدي جائزة الرئيس للخدمة المدنية المتميزة"، لتكون ثاني امرأة في تاريخ أمريكا تنال هذا الوسام الرفيع .
متابعات
سبتمبر عام 1960.. واشنطن العاصمة .
دخلت الدكتورة فرانسيس كيلسي مقر إدارة الغذاء والدواء (FDA) في يوم عملها الأول .
كانت تبلغ من العمر 46 عاماً، عالمة في الصيدلة وتحمل شهادة في الطب، وواحدة من النساء القلائل في مجال تنظيم الأدوية الفيدرالي .
سلمها مشرفوها ما بدا وكأنه مهمة روتينية بسيطة؛ إذ أرادت شركة أدوية عملاقة تُدعى "ريتشاردسون ميريل" الحصول على موافقة سريعة لعقار مهدئ جديد يُدعى "كيفادون ".
كانت المادة الفعالة فيه هي "الثاليدومايد"، وهي المادة التي حققت ضجة عالمية واسعة في أوروبا وكندا، وكان الأطباء يصفونها بحماس بالغة للقلق والأرق، وخاصة لغثيان الصباح لدى النساء الحوامل، بل كان العقار يُعتبر آمناً لدرجة أنه يُباع دون وصفة طبية في بعض البلدان !
توقعت الشركة مبيعات هائلة في السوق الأمريكي، وأرادت طرحه على رفوف الصيدليات بحلول عيد الميلاد، متوقعة أن تستغرق عملية الموافقة أسابيع، وربما أياماً معدودة فقط ..
لكنهم لم يدركوا مطلقاً مع من يتعاملون !
راجعت الدكتورة كيلسي الملف، وشعرت بحسّها العلمي الصارم أن ثمة خطأ ما؛ كانت دراسات السلامة سطحية، والبيانات حول كيفية امتصاص الجسم للدواء غامضة .
والأكثر إثارة للقلق، أنه لم تكن هناك معلومات موثقة عما يحدث للجنين عندما تتناول الأم الحامل هذا الدواء، رغم أن علاج غثيان الصباح كان أحد استخداماته الأساسية !
أعادت الملف ببرود شديد قائلة :
" البيانات غير كافية.. الطلب مرفوض !"
ذهلت شركة "ريتشاردسون ميريل"؛ فالدواء معتمد في عشرات الدول ويحقق ملايين الأرباح، فكيف لـ "موظفة جديدة" في إدارة الغذاء والدواء، وامرأة فوق ذلك، أن تقف في طريقهم بسبب ما وصفوه بـ "شكليات ورقية"؟
شنوا ضدها حملة ضغط شرسة كانت كفيلة بكسر أي إنسان :
اتصل المسؤولون التنفيذيون بمشرفيها للمطالبة بتجاوز صلاحياتها .
زاروها في مكتبها شخصياً لممارسة الترهيب المباشر .
وصفوها بالـ "بيروقراطية التافهة" التي تتصيد أخطاءً لا قيمة لها .
اتهموها جهاراً بأنها تفتقر للخبرة، وغير عقلانية، وتؤذي المرضى بمنع دواء مفيد عنهم !
تخيل لو كنت مكانها في تلك اللحظة: طبيبة جديدة في عملها، محاطة برجال متنفذين في عصر كانت فيه النساء في المجال العلمي يواجهن التهميش المستمر، بلا شبكة دعم، وبلا سابقة لما تفعله !
كان من السهل جداً أن تُرضي الجميع، وتوقع على الأوراق قائلة: "بما أنه معتمد في كل مكان آخر، فلا بد أنه آمن ".
لكن فرانسيس كيلسي كانت تمتلك شيئاً لا يمكن شراؤه بالمال ولا ترهيبه بالنفوذ: النزاهة العلمية الصارمة .
طلبت دراسات إضافية، وعندما قدمت الشركة ردوداً غير كافية، رفضتها مرة أخرى، ثم مرة ثالثة !
ظلت تماطل وتتحمل الضغوط لمدة 11 شهراً عصيباً، بينما كانت الشركة تستشيط غضباً وتهدد بإنهاء مستقبلها المهني .
ثم جاء نوفمبر عام 1961.. وحلت الفاجعة التي أذهلت العالم !
بدأت التقارير تتقاطر من ألمانيا وبريطانيا تصف نمطاً طبياً مرعباً: أطفال يولدون بـ "فقمية الأطراف"، وهو عيب خلقي نادر ومدمر؛ أطرافهم قصيرة بشكل مشوه أو غائبة تماماً، أيدٍ تشبه الزعانف تخرج مباشرة من الكتفين، وأرجل ضامرة، وتلف حاد في الأعضاء الداخلية !
كانت الأرقام مفزعة، وسرعان ما ظهر الرابط القاتل: جميع الأمهات تناولن عقار "الثاليدومايد" أثناء الحمل !
انتشر الخبر كالنار في الهشيم عبر أوروبا وأستراليا؛ إذ تضرر أكثر من 10,000 طفل، نصفهم لم ينجُ من مرحلة الرضاعة، ومن عاش منهم واجه إعاقة عميقة مدى الحياة. وبينما سحبت الحكومات الدواء وانهارت الوظائف والشركات، كان الضرر قد وقع بالفعل ودمر آلاف العائلات .
أما في الولايات المتحدة، فكان المشهد مختلفاً تماماً.. بفضل هذه المرأة !
لم يمس الإعصار الشواطئ الأمريكية إلا نادراً؛ بضع حالات فردية فقط ظهرت بسبب عينات مجانية وزعتها الشركة على الأطباء، لكن الكارثة الشاملة لم تحدث قط ..
لأن امرأة واحدة خلف مكتب رفضت أن تخضع للترهيب !
في عام 1962، استدعى الرئيس جون كينيدي الدكتورة فرانسيس كيلسي إلى البيت الأبيض، ومنحها "جائزة الرئيس للخدمة المدنية المتميزة"، لتكون ثاني امرأة في تاريخ أمريكا تنال هذا الوسام الرفيع .
وبالنسبة لفرانسيس كيلسي، لم تكن المكافأة الحقيقية هي الميدالية المعلقة على صدرها، بل كانت معرفتها اليقينية أن آلاف الأطفال في أمريكا يركضون ويلعبون الآن في المتنزهات، دون أن يدركوا أبداً مدى قربهم من مصير مظلم !
لقد أثبتت هذه المرأة حقيقة عميقة عن البطولة: إنها ليست دائماً معارك درامية بالسلاح.. أحياناً تكون البطولة هي الجلوس خلف مكتب، والنظر في بيانات ناقصة، وامتلاك الشجاعة الأخلاقية لقول "لا" عندما يصرخ الجميع من حولك بـ "نعم "!
عملت الدكتورة فرانسيس كيلسي في إدارة الغذاء والدواء بكل إخلاص حتى بلغت التسعين من عمرها .
لم توقف رصاصة طائشة، بل منعت قلماً من التوقيع على ورقة ظالمة.. وهذا تحديداً هو ما صنع كل الفرق !
لا تخف أبداً أن تقول "لا".. عندما تكون على صواب !