بين الألم والأمل - قصة وفاء سترويها الأجيال
سهير حجازي وهي تمنح الحياة لشقيقها حسن
كتب – المهندس ابراهيم الأمين خلف الله -قوانجو الصين

في قلب المستشفى السعودي الألماني بالإسكندرية، نجحت أمس إتمام عملية نقل كلى بطولية بكل معانيها الإنسانية، حيث تبرعت الأخت سهير حجازي مصطفى بكليتها لشقيقها حسن حجازي مصطفى، الذي عانى لسنوات من الفشل الكلوي. هذا الحدث ليس مجرد عملية طبية، بل هو مشهد حقيقي من التضحية والوفاء، وهو درس حي في الحب والعطاء، حيث يلتقي الشجاعة بالأمل، ويعطي الإنسان لأخيه ما هو أغلى من حياته من أجل أن يتقاسما الحياة من جديد .

ما يجعل هذا الحدث أكثر جمالاً هو الحشد الكبير من أهالي الجريف شرق الذين اجتمعوا في المستشفى، رغم الظروف الصعبة التي يمر بها السودان بسبب الحرب التي شردت الكثير من أهلنا. فقد جاءوا من كل مكان، من الإسكندرية، القاهرة، العاشر من رمضان، وبعضهم جاء خصيصًا من خارج مصر لمشاركة هذه اللحظة العاطفية التي ستظل خالدة في الأذهان. كان الجميع هناك، متكاتفين، يذرفون الدموع، يدعون بقلوبهم الصافية أن يكتب الله الشفاء والنجاح لهذه العملية التي كانت في الحقيقة عملية لإعادة الحياة لشخص عزيز .

هذه التضحية التي قدمتها الأخت سهير لشقيقها حسن هي تضحية لا مثيل لها. أن تعطي كلية لشقيقك يعني أن تهب له فرصة جديدة للحياة. وعندما نعيش تجربة المرض، نعلم تمامًا حجم معاناة المريض، خاصة عندما يكون مرضًا مزمنًا مثل الفشل الكلوي، الذي يُعاني فيه المريض من آلام جسدية وعاطفية لا تُحكى. الفشل الكلوي ليس مجرد مرض جسدي، بل هو حالة نفسية تُرهق الإنسان وتؤثر على حياته بالكامل. لكن مع نقل الكلى، تبدأ حياة جديدة، ويشعر المريض وكأنه وُلِد من جديد. إن هذه العملية لا تعني فقط زراعة كلية جديدة، بل هي زراعة أمل في القلب .

أود أن أشارككم أيضًا تجربتي الشخصية مع والدتي الحبيبة زينب حاج العوض، التي عانت من نفس المرض منذ أربع سنوات. كانت تعيش في ألم لا يوصف، حتى جاء أخي الكبير محمد ليقدم لها نفس التضحية التي قدمتها الأخت سهير. تبرع لها بكليته، وكان هذا هو ما أنقذ حياتها وغير مجرى أيامها. الحياة بعد التبرع بالكلى تتغير تمامًا. 180 درجة من الألم إلى الراحة، من العجز إلى القدرة على الحياة بشكل طبيعي. لن ننسى أبدًا هذا الجميل الذي قدمه أخي محمد، الذي منحنا أمي مرة أخرى. وحتى الآن، عندما أذكر تلك اللحظات، تملأني الدموع، وأشعر بالعجز عن تقديم الشكر الكافي لأخي، الذي منحنا أمي مرة أخرى .
كما لا يمكنني أن أتحدث عن هذا الحدث دون أن أتطرق إلى دعم أهلنا في الجريف شرق. هؤلاء الناس الذين لا يُمكن أن تعبر الكلمات عن مدى قوتهم وترابطهم. رغم المعاناة التي مروا بها بسبب النزوح والحرب، إلا أن روابطهم العائلية والاجتماعية كانت أقوى من أي شيء. جاءوا من كل حدب وصوب ليقفوا مع أبناءهم في هذا الموقف الصعب. كانت روح التضامن بين أهالي الجريف شرق في هذه اللحظة نموذجًا رائعًا من التراحم والتكاتف. إنهم لا يتركون بعضهم في الأوقات العصيبة، بل يقفون معًا، يدًا بيد، مهما كانت الظروف .
ونحن إذ نحتفل بنجاح العملية، لا بد من أن نقدم شكرنا وتقديرنا لكل من ساهم في إتمام هذا الإنجاز. بداية من الفريق الطبي الرائع في المستشفى السعودي الألماني بالإسكندرية الذين بذلوا جهدًا كبيرًا لضمان نجاح هذه العملية، إلى كل من دعم ووقف بجانبنا في هذه الرحلة الصعبة. لقد كانت هناك فحوصات دقيقة، واستعدادات طويلة، وكان الأمر يتطلب الكثير من التنسيق. كل هذا لم يكن ليتم دون التعاون والجهد المبذول من الجميع .
وفي الختام، أود أن أشكر الأستاذ مصطفى حجازي، شقيق المريض، الذي كان له دور كبير طوال مسيرة أخيه مع هذا المرض. لقد كان دائمًا في الصف الأول في كل خطوة، يحمل عن أخيه كل التحديات والصعاب، ويعمل بكل جهده لتوفير كل ما يحتاجه، حتى أتى اليوم الذي تحققت فيه هذه المعجزة الطبية .
لكن الآن، وبعد أن تمت العملية، يبقى هناك أمر مهم يجب أن ننتبه له جميعًا. من أجل الحفاظ على نجاح هذه العملية، يجب أن يلتزم الأخ حسن حجازي وأسرته بتعليمات الطبيب بالكامل. فمريض الكلى يحتاج إلى عناية خاصة بعد العملية، حيث أن فترة التعافي تتطلب العزل الكامل والتعقيم المستمر. لذا، أرجو من الجميع أن يساعدوا في ذلك، وأن يلتزموا بعدم زيارة المريض إلا بعد أن تنتهي الفترة المحددة .
مبارك لكم هذه اللحظة العظيمة، ولتكن هذه العملية بداية جديدة لحياة مليئة بالصحة والسعادة .
إبراهيم الامين خلف الله
قوانزو 07/01/2026