د. إيناس عزيز مالك عميدة مدرسه الطب بجامعة الأحفاد للبنات     

image-1733.jpeg

الاحفاد ملتزمه بتخريج طبيبه آمنه للمجتمع..... والحرب لم توقف مشروعنا الأكاديمي  

image-1735.jpeg

 

حوار: ميرغني أبشر  

 

من بين أكثر القطاعات التي واجهت صدمة الحرب في السودان قطاع التعليم العالي، حيث توقفت جامعات، وتشتت طلاب وأساتذة، وأصبحت المحافظة على المسار الأكاديمي تحدياً يفوق الإمكانات التقليدية للمؤسسات التعليمية .  

لكن مدرسه الطب بجامعة الأحفاد للبنات اختارت طريقاً مختلفاً؛ إذ تحولت الأزمة إلى عملية واسعة لإعادة تنظيم التعليم الطبي عبر لجان طوارئ، وشراكات مع جامعات سودانية ومصرية، ونقل الامتحانات بين مدن مختلفة، لضمان استمرارية الدراسه للطالبات .  

في هذا الحوار تتحدث الدكتورة إيناس عزيز مالك، عميدة مدرسه الطب بجامعة الأحفاد للبنات، عن تفاصيل التجربة، وكيف تمكنت المدرسه من تخريج دفعات جديدة خلال الحرب، وعن فلسفة التعليم والاحفاد التي دفعتهم للتمسك باستمرار الدراسة وتخريج طبيبات آمنات ورائدات رغم الظروف .  

 

كيف بدأت أزمة كلية الطب مع اندلاع الحرب؟  

 

الحقيقة أن الحرب اندلعت في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لنا. كانت طالبات الدفعة (27) في شهر رمضان يستعددن للامتحان النهائي المؤهل للتخرج، وكان مقرراً أن تُجرى الامتحانات بعد عيد الفطر مباشرة، لكن الأحداث قلبت كل الحسابات .  

فجأة وجدنا أنفسنا أمام واقع جديد؛ الطالبات تفرقن في مناطق مختلفة داخل السودان وخارجه، ولدينا طالبات من جنسيات متعددة، من نيجيريا وسوريا وفلسطين ومصر واليمن وقطر، إضافة إلى طالبات أخريات في دول مختلفة مثل ألمانيا وأوكرانيا .  

كان السؤال الأساسي: كيف نحافظ على مستقبل هؤلاء الطالبات؟ وكيف نضمن ألا تتحول الحرب إلى سبب في ضياع سنوات طويلة من الدراسة؟  

ومنذ الشهر الأول للحرب بدأنا التواصل مع المجلس الطبي السوداني، وكان همنا الأول هو الطالبات قبل أي شيء آخر .  

 

ما الخطوة الأولى التي اتخذتموها؟  

 

تواصلت مباشرة مع رئيس المجلس الطبي السوداني آنذاك، البروفيسور الخاتم إلياس، وبدأنا التنسيق حول كيفية تنظيم امتحانات السنة النهائية رغم الظروف .  

في الوقت نفسه كانت إدارة الجامعة تعمل على ملف لا يقل أهمية، وهو الحفاظ على البيانات الأكاديمية ونتائج الطالبات، لأن هذه المعلومات تمثل مستقبلهن العلمي .  

كان بروف قاسم- قاسم بدري رئيس الجامعة-، والإدارة، ومسجل الجامعه الدكتور بابكر، يعملون على ضمان بقاء كل البيانات محفوظة في أنظمة الجامعة الإلكترونية، لأننا كنا ندرك أن الحرب لا تهدد المباني فقط، وإنما تهدد ذاكرة المؤسسات أيضاً .  

 

كيف تمكنتم من إجراء امتحانات الدفعة 27؟  

 

شكلنا لجنة طوارئ خاصة بالكلية، وكانت تضم خمسة أعضاء: البروفيسور سعاد بابكر التي كانت عميدة الكلية آنذاك، والدكتورة طاهرة الصادق، ومحمد الفاتح البدري، والبروفيسور أحمد عباس، إضافة إليّ .  

كان موقفنا واضحاً: لن نقبل بأي حلول وسط تؤثر على جودة الامتحان أو مكانة الشهادة. كان المطلوب إيجاد حل يحافظ على المعايير الأكاديمية .  

وبالتنسيق مع المجلس الطبي السوداني والتشاور مع الممتحنين الخارجيين، ومن بينهم الدكتور هشام عبد الرحيم، رئيس المجلس الطبي حاليا، ممثلاً في الطب الباطني، والدكتور هاشم ياجي، رحمه الله، في الجراحة، والدكتور سراج محمد خير في طب الأطفال والدكتوره وصال نبق بامراض النساء والتوليد، ودكتور عبدالغفار ادم في طب المجتمع إضافة إلى بعض الاساتذه والبروفسيرات من المدرسه  

أين أجريت الامتحانات في ظل الحرب؟  

 

قررنا إجراء الامتحانات في موقعين .  

الأول كان مدينة مدني داخل السودان باعتبارها منطقة آمنة نسبياً في ذلك الوقت، والثاني في القاهرة داخل بيت السودان للطالبات الموجودات خارج البلاد تحت اشراف المجلس الطبي السوداني والمستشار الثقافي والطبي بسفاره السودان بالقاهره .  

كان الهدف أن تحصل جميع الطالبات على فرصة متساوية، وأن يكون الامتحان موحداً وفق المعايير المطلوبة .  

وفي مدني قام فريق كبير بمجهود استثنائي، بقيادة الدكتورة عزيزة مصطفي اختصاصية جراحة الأطفال، والأستاذة نجات الطيب والتي لعبت دوراً مهماً في حفظ ونقل بيانات الطالبات من أم درمان إلى مدني .  

كما وقف عدد من الأساتذة إلى جانبنا، من بينهم الدكتور برير، والدكتور كمال، والدكتور محجوب، والأستاذة انقاذ وأشرفوا على الامتحانات وايضا كان تحت اشراف ممثلي المجلس الطبي السوداني البروفسير عثمان خلف الله .  

وبفضل هذا التعاون أكملت الدفعة (27) امتحاناتها وتخرجت في ديسمبر 2023 .  

بعد نجاح الامتحانات، كيف انتقلتم إلى مرحلة استمرار الدراسة؟  

 

كنا نعلم أن إجراء الامتحانات وحده لا يكفي، فالمشكلة الأكبر كانت: أين ستواصل بقية الطالبات دراستهن؟  

لذلك بدأنا البحث عن جامعات تستوعب طالباتنا وتحافظ على طبيعة التعليم الطبي الذي نقدمه .  

في البداية فكرنا في جامعة الإسماعيلية أو جامعة السويس في مصر، خاصة أن لدينا شراكات سابقة مع جامعة الإسماعيليةو جامعة ماستريخت الهولندية و عبر هذه العلاقات تم تدريب بعض الكوادر والمشاركه في المؤتمرات .  

كان هناك ترحيب كبير من جانبهم، لكن قوانين التعليم العالي المصرية حالت دون إكمال هذا الخيار .  

بعد ذلك جاء التعاون مع الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، وكان خياراً مناسباً جداً لطالباتنا لأنه وفر بيئة جامعية حقيقية .  

كيف بدأت تجربة بربر مع جامعة الشيخ عبد الله البدري؟  

كانت تجربة مهمة جداً بالنسبة لنا. الاتفاقية الأولى شملت الدفعتين (28) و(29)، ثم توسعت لاحقاً لتشمل الدفعة (30).  

بعد نجاح التجربة استوعبت جامعة الشيخ عبد الله البدري أيضاً الدفعات الصغيرة: 31 و32 و33 و34 .  

 

الهدف لم يكن فقط توفير مكان للدراسة، وإنما الحفاظ على تجربة التعليم الطبي الكاملة، بما فيها التدريب السريري والبيئة الجامعية .  

 

كيف تصفين تجربة الطالبات في بربر؟  

 

أستطيع القول إن طالباتنا أثبتن أنهن فعلاً يحملن روح الأحفاد .  

الفكرة الأساسية في تعليمنا الطبي هي أن يكون الطبيب مرتبطاً بمجتمعه، وأن يكون Community Oriented.  

في بربر لم تكتف الطالبات بالدراسة، بل اندمجن في المجتمع المحلي، وشاركن في أنشطته، وتعايشن مع الناس رغم ظروف الحرب وبعدهن عن أسرهن .  

لقد كن سفيرات حقيقيات للجامعة ولأسرهن وللسودان .  

ما الدور الذي قامت به جامعة الشيخ عبد الله البدري؟  

 

نحن مدينون لهم بالكثير .  

أشكر الدكتورة فانية، رئيسة الجامعة، وكل الطاقم الأكاديمي والإداري، وعلى رأسهم الدكتور نديم، ورؤساء الوحدات وفي المستشفيات والطب السريري .  

لم يقتصر الدعم على الأقسام السريرية مثل الجراحة والباطنية والنساء والأطفال، بل شمل أيضاً العلوم الأساسية مثل التشريح والفسيولوجي .  

احتضنوا الطالبات، وقفوا معهن في المشكلات، وشاركوا في مناسبات نجاحهن وتخرجهن وذلك رغم ظروف البلاد .  

 

كيف تمكنتم من إدارة هذا العدد الكبير من الطالبات في ظل الظروف الصعبة؟  

 

اعتمدنا على منظومة واسعة من اللجان والنواب والمساعدين ...مثل دكتوره طاهره الصادق نائب العميد وهي تشرف علي لجان ال family attachment  والمنهج وبروفسير سعاد بابكر وهي تشرف علي فرع جامعه الشيخ البدري...ولدينا لجنة الطوارئ لاتخاذ القرارات العاجلة، ولجنة المستشارين التي تضم البروفسير بكري الاقرع ودكتوره ليلي عبد الرحمن ودكتوره رجبيه خضر وبعض رؤساء الوحدات السريرية وايضا لجنه المراجعه للمرحله التعليميه الثالثه وتشرف عليها دكتوره فكريه عبدالوهاب ومهمتها مراجعه تقارير الممتحنين الخارجيين والتقييم ثم التقويم في الأداء والامتحانات ، واللجنة العليا للمرحلة السريرية التي تضم جزء كبير من الأساتذة للمتابعه تحت اشراف بروفسير سعاد بابكر .  

ولجنه المرحله الاوليه تحت اشراف دكتوره حليمه بابكر ودكتوره اجلال اللاتي تنسقن دراسه الطالبات بالدفعات الثانيه والثالثه ومراجعه الجداول والمحتوي الاكاديمي مع رؤساء الوحدات بالجانب الاخر واساتذتنا بالمدرسه ايضا...كما لدينا لجنة المنسقات للمتابعة التي تشرف على الدفعات المختلفة، حيث لكل دفعة منسقة أكاديمية تتابع الطالبات بصورة مستمرة وايضا الدكتوره المنسقه من جانبنا بجامعه الشيخ البدري .  

ولجنه الامتحانات والنتائج والممتحنين تحت اشراف بروفسير محمد الفاتح البدري ..ولدينا لجنة البحوث برئاسة الدكتور أحمد الجمل، وعضوية الدكتورة شيما صديق والدكتورة شيما آدم، وهي مسؤولة عن بحوث الطالبات والامتحانات النهائية للبحوث .  

وهو عمل اداري وتنسيقي مترابط وكبير ويعمل فيه الجميع من اكاديمين واداريات وبروفسيرات عمل بصوره متواصله •   

هل تعتبرين ما حدث تجربة نجاح أم مجرد استجابة مؤقتة للأزمة؟  

 

أعتقد أنها تجربة ستظل مهمة في تاريخ التعليم الطبي السوداني .  

نحن لم نكن نبحث عن حل مؤقت، بل كنا نريد الحفاظ على نموذج أكاديمي كامل .  

الحرب فرضت علينا ظروفاً قاسية، لكنها كشفت أيضاً قوة الروابط بين الجامعات والأساتذة والطالبات...واثبتت مقدره الاحفاديات علي الثبات والتمسك بمبادئ الجامعه المغروسه بهن .  

 

اليوم نحن نستعد لتخريج دفعات جديدة، وهذا دليل على أن التعليم يمكن أن يستمر حتى في أصعب الظروف عندما تتوفر الإرادة والتعاون .  

ما الرسالة التي تريدين إيصالها من تجربة طب الأحفاد؟  

 

الرسالة الأساسية هي أن التعليم ليس مباني فقط، وإنما هو مجتمع كامل من الأساتذة والطلاب والقيم .  

طالباتنا أثبتن أنهن قادرات على مواجهة الظروف الصعبة، وأن مشروع الأحفاد في تخريج طبيب يخدم المجتمع ما زال مستمراً .  

لقد حاولت الحرب أن توق image-1734.jpeg ف المسار، لكنها لم توقف الحلم .  

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان