فخّ ثوسيديديس»: اللعنة التاريخية التي تهدد العلاقات الأمريكية-الصينية

فرات امبارك - تونس
من أثينا وإسبرطة إلى قرطاج وروما، ومن أوروبا قبل الحربين العالميتين إلى المنافسة الحالية بين الولايات المتحدة والصين، يتكرر الدرس نفسه: عندما يتغير ميزان القوة بسرعة، يصبح العالم أكثر توترًا وأقل استقرارًا. فالتاريخ يبين أن صعود قوة جديدة غالبًا ما يثير خوف القوة المهيمنة، ومع تراكم الشكوك والتنافس وسوء التقدير، تصبح احتمالات الصدام أكبر حتى وإن لم تكن الحرب هدفًا مباشرًا لأي طرف . في السنوات الأخيرة، تحولت العلاقة بين الولايات المتحدة والصين من منافسة اقتصادية محدودة إلى صراع استراتيجي واسع يشمل التكنولوجيا، والاقتصاد، والنفوذ السياسي، والقوة العسكرية، وحتى شكل النظام الدولي في المستقبل. ولهذا عاد الحديث بقوة عن “فخّ ثوسيديديس”، وهو المفهوم الذي يفسر كيف يمكن أن يؤدي صعود قوة جديدة إلى خلق توتر خطير مع القوة المسيطرة على النظام الدولي .
ترجع جذور هذه الفكرة إلى اليونان القديمة، عندما نمت قوة أثينا البحرية والاقتصادية بسرعة كبيرة، مما أثار خوف إسبرطة التي كانت تمثل القوة التقليدية المهيمنة في العالم اليوناني آنذاك. ومع تصاعد التوتر والشكوك والتحالفات المتصارعة، أصبحت الحرب البيلوبونيسية أمرًا شبه حتمي. لم تكن المشكلة في حادثة منفردة، بل في التغير العميق الذي أصاب ميزان القوى، وفي الخوف الذي ولّده هذا التغيير لدى الطرف الأقوى . ولم يكن ذلك المثال الوحيد في التاريخ. فقد شهدت منطقة البحر المتوسط صراعًا مشابهًا بين قرطاج وروما في الحروب البونيقية. كانت قرطاج قوة بحرية وتجارية ضخمة تسيطر على التجارة في المتوسط، بينما كانت روما قوة صاعدة تتوسع تدريجيًا وتبحث عن نفوذ أكبر. ومع تضارب المصالح والنفوذ، تحولت المنافسة إلى سلسلة من الحروب العنيفة انتهت بتدمير قرطاج وصعود روما باعتبارها القوة المهيمنة الجديدة .
وقد أعاد الباحث الأمريكي Graham Allison إحياء هذا المفهوم عند تحليله للعلاقة بين الولايات المتحدة و الصين متسائلًا: هل العالم مقبل على صراع تاريخي جديد بين قوة صاعدة وقوة مهيمنة؟ وعند دراسة التاريخ خلال الخمسمائة سنة الماضية، نجد أن هناك ست عشرة حالة واجهت فيها قوة صاعدة قوةً مهيمنة، وانتهت اثنتا عشرة حالة منها بالحرب. وهذا يوضح أن الصدام بين القوى الكبرى ليس مجرد احتمال نظري، بل نمط تاريخي تكرر مرات عديدة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك صعود ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى، وصعود اليابان قبل الحرب العالمية الثانية، حيث تحول التنافس الاقتصادي والسياسي إلى مواجهة عسكرية مدمرة غيّرت شكل العالم .
لكن التاريخ لا يقدم صورة قاتمة بالكامل، فهناك أيضًا حالات نجحت فيها القوى الكبرى في تجنب الحرب. ومن أبرز هذه الحالات انتقال القيادة العالمية تدريجيًا من بريطانيا إلى الولايات المتحدة خلال القرن العشرين، إضافة إلى التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، حيث منع الردع النووي الطرفين من الدخول في مواجهة مباشرة رغم شدة الصراع بينهما .
واليوم يرى كثير من الباحثين أن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين تمثل أوضح مثال معاصر لفخّ ثوسيديديس. فقد حققت الصين خلال العقود الأخيرة نموًا اقتصاديًا هائلًا، وتحولت إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، كما توسعت صناعيًا وتكنولوجيًا وعسكريًا بصورة غير مسبوقة. ولم يعد النفوذ الصيني مقتصرًا على آسيا فقط، بل امتد إلى إفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية عبر مشاريع اقتصادية ضخمة وشبكات تجارية واستثمارات واسعة .
وفي المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى هذا الصعود الصيني باعتباره تحديًا مباشرًا لمكانتها العالمية. ولذلك تصاعدت الحروب التجارية، والعقوبات الاقتصادية، ومحاولات الحد من التقدم التكنولوجي الصيني، خصوصًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية والاتصالات. كما أصبحت قضايا مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي من أخطر نقاط التوتر بين الطرفين، إذ يمكن لأي أزمة في هذه المناطق أن تتحول إلى مواجهة دولية واسعة .
تكمن خطورة هذا النوع من الصراع في أن المشكلة لا تتعلق فقط بالنوايا السياسية، بل بطريقة تفسير كل طرف لتحركات الطرف الآخر. فالقوة المهيمنة ترى أن توسع القوة الصاعدة يشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها ونفوذها، بينما تعتبر القوة الصاعدة أن من حقها الطبيعي الحصول على دور عالمي يتناسب مع قوتها الجديدة. ومع تراكم الشكوك، تصبح حتى الحوادث الصغيرة قادرة على إشعال أزمة كبيرة .
كما أن الشعور القومي والكبرياء السياسي يزيدان من خطورة الموقف. فالدول الكبرى لا تدافع فقط عن مصالحها الاقتصادية والعسكرية، بل تدافع أيضًا عن هيبتها وصورتها أمام العالم وأمام شعوبها. ولهذا يصبح التراجع أو تقديم التنازلات أمرًا صعبًا، لأن أي خطوة قد تُفسَّر على أنها ضعف سياسي أو استسلام أمام الخصم .
ومع ذلك، فإن العالم اليوم يختلف عن الأزمنة السابقة في عدة جوانب مهمة. فوجود السلاح النووي جعل الحرب المباشرة بين القوى الكبرى أكثر خطورة من أي وقت مضى، لأن أي مواجهة واسعة قد تتحول إلى كارثة عالمية تهدد البشرية كلها. إضافة إلى ذلك، فإن الاقتصاد العالمي أصبح مترابطًا بشكل عميق، فالولايات المتحدة والصين، رغم تنافسهما، يعتمدان اقتصاديًا على بعضهما بصورة كبيرة، وأي حرب شاملة بينهما ستؤدي إلى اضطراب اقتصادي عالمي غير مسبوق . لكن الترابط الاقتصادي وحده لا يكفي دائمًا لمنع الحروب، فالتاريخ يثبت أن العلاقات التجارية القوية لم تمنع اندلاع الحرب العالمية الأولى. لذلك فإن تجنب الصدام يتطلب إدارة سياسية عقلانية، وقنوات اتصال مستمرة، وقدرة على احتواء الأزمات قبل تحولها إلى مواجهات مفتوحة .
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع العالم هذه المرة كسر النمط التاريخي الذي تكرر عبر القرون؟ فالتاريخ لا يقول إن الحرب حتمية، لكنه يحذر من أن التغير السريع في ميزان القوى يجعل العالم أكثر هشاشة وتوترًا. ولهذا فإن مستقبل النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين قد يعتمد إلى حد كبير على قدرة واشنطن وبكين على إدارة تنافسهما دون السقوط في “فخّ ثوسيديديس”، تلك اللعنة التاريخية التي أسقطت قوى كبرى كثيرة عبر التاريخ .