في موكب العزة… الجريف شرق تزف شهيدها العقيد ركن حمدي شرف الدين إلى الخلود  

ابراهيم الأمين  خلف الله  

في مشهدٍ مهيبٍ تختلط فيه دموع الفقد بعزة الفخر، شيّعت الجريف شرق اليوم ابنها البار، الشهيد العقيد ركن حمدي شرف الدين سيد أحمد، إلى مثواه الأخير بمقابر الجريف شرق، وسط حضورٍ كبير من الأهالي وجموع غفيرة من قوات الشعب المسلحة، في موكبٍ مهيبٍ جسّد معنى الوفاء والتلاحم بين الشعب وجيشه، وبين الأرض وأبنائها الذين رووها بعرقهم وصبرهم ودمائهم .

image-935.jpeg

الجريف شرق تودّع أحد أبنائها الأوفياء  

 

منذ ساعات الصباح الأولى، تدفقت جموع المشيعين من كل حدب وصوب. رجالٌ عرفوه في المسجد، شبابٌ رأوه قدوة، رفقاء سلاحٍ تقاسموا معه الخنادق وأيام الحصار، وأهلٌ وأحبابٌ عرفوا فيه الشهامة والكرم والخلق الرفيع. كان المشهد أكبر من كلمات، وأعمق من وصف؛ كانت الجريف شرق كلها تمشي خلف نعشه، وكأنها ترد له بعض جميله .

 

وأسرة شرف الشايقي ، تلك الأسرة العريقة في الجريف، المعروفة بدينها وخلقها وأدبها ومعاملتها الطيبة ومواظبتها على الصلوات في المسجد، قدّمت للوطن فلذة كبدها شهيداً. أسرةٌ طالما عُرفت بين الناس بالخير والصلاح، فإذا بها اليوم ترتقي إلى مقامٍ أعلى، مقام الصبر الجميل والرضا بقضاء الله .

image-936.jpeg

مَسِيرةُ صبرٍ منذ أيام حرب الكرامة الأولى  

لم يكن رحيل الشهيد حمدي وليد لحظة، بل كان خاتمة مسيرة طويلة من الألم والصبر والثبات. فقد أُصيب في أيام حرب الكرامة الأولى، إصابةً ثقيلة، كانت بداية اختبارٍ عظيمٍ لصبره وإيمانه .

رقد في مستشفى السلاح الطبي فترةً من الزمن، ثم انتقل إلى الشمالية، ومكث فيها فترة أخرى، قبل أن يسافر إلى مصر لمواصلة العلاج. ثلاث سنوات كاملة من المعاناة، لكنه لم يُعرف عنه تذمر، ولا سُمعت منه شكوى. كان مضرب المثل في الصبر، يواسي غيره وهو أولى بالمواساة، ويخفف عن المصابين وهو يتألم بصمت .

كان يدعو الله بصدق أن يتقبله في الشهداء، وأن يبارك له في ذريته، وأن يختم له بخاتمة ترضي الله. وقد صدق الله فصدقه، واختاره اختياراً واصطفاه اصطفاءً .

 

شهادة لا ينالها كل أحد  

 

في لحظةٍ حبست الأنفاس، وبعد أن وُوري الجثمان الثرى، وقف والده، الحاج شرف، ثبات الجبال الرواسي. لم يكن ثباتاً متكلّفاً، بل كان إيماناً راسخاً تجلى في قسمات وجهه وصوته الواثق .

 

خاطب الحشد بكلماتٍ خرجت من قلبٍ مؤمنٍ بقضاء الله وقدره، فقال إن الشهادة لا ينالها كل من طلبها، وإنما هي اختيار واصطفاء من عند الله تعالى. وحمد الله وأثنى عليه أن اختار ابنه شهيداً في سبيل الله وفي سبيل الوطن .

 

وتلا قوله تعالى :

﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾،

كأنما يذكّر نفسه قبل أن يذكّر الحاضرين بأن للصبر منزلةً عظيمة، وأن ما عند الله خيرٌ وأبقى .

ثم قال وهو يشهد الله: إن ابنه كان مثالاً للصبر ثلاث سنوات كاملة، لم يشتكِ، ولم يتضجر، بل كان راضياً محتسباً. كانت كلمات الأب درساً في الإيمان قبل أن تكون رثاءً لابنه، وموقفاً يهز القلوب قبل أن تهزها المصيبة .

 

رسالة إلى الأخ… وسندٌ في الشدائد  

 

وفي موقفٍ مؤثرٍ آخر، وجّه الأب حديثه إلى ابنه محمد، شقيق الشهيد، مستشهداً بقوله تعالى :

﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخيكَ وَنَجعَلُ لَكُما سُلطانًا فَلا يَصِلونَ إِلَيكُما بِآياتِنا أَنتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الغالِبونَ﴾ .

 

قال له: كنت نعم الأخ، والسند الحقيقي لأخيك في مرضه. رافقته طوال هذه السنوات، سافرت معه للعلاج، وتركت أبناءك وعملك، وسهرت الليالي من أجله. جزاك الله خير الجزاء على واجب الأخوة .

 

لقد كانت تضحية محمد صورةً أخرى من صور البطولة الصامتة؛ بطولة لا تُرفع لها الأوسمة، لكنها مكتوبة عند الله بأحرفٍ من نور. كان كتفاً يسند، ويداً تعين، وقلباً يواسي. ولم يكن صبر الشهيد وحده هو الملهم، بل كان صبر أخيه ووفاؤه سنداً عظيماً في رحلة الألم .

 

وختم الأب وصيته لابنه محمد بالثبات والصبر، وبأن يفتخر بأن أخاه شهيد، وأن يمضي في درب القوة والعزة .

 

شهادة رفاق السلاح  

 

تحدث ممثل القوات المسلحة بكلماتٍ مؤثرة، استهلها بقوله: الموت حق، والحياة باطلة، وإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم قال إنهم اليوم يودعون أخاً عزيزاً، رجلاً عرفته القوات المسلحة وهيئة الاستخبارات العسكرية، وعرفته ميادين الشدة .

 

ذكر أنه زامل الشهيد حمدي في أيام الحصار في منطقة أم درمان العسكرية، وأنه كان مثالاً يُحتذى به. لم يكن قائداً بالرتبة فقط، بل كان قائداً بالموقف. كان يصبر المصابين، ويحرص على علاجهم وإكرامهم، ويبلغ قمة الصبر وهو في أشد حالات الألم .

 

قال: فقدنا قائداً وأخاً عزيزاً. ودعا الله أن يتقبله قبولاً حسناً، وأن يبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله .

 

كانت شهادتهم فيه وساماً آخر يُضاف إلى وسام الشهادة؛ شهادة الرجال الذين عرفوه في الشدائد، لا في الرخاء .

 

رجل المسجد… وكرم المناولة  

 

ولم يكن الشهيد حمدي رجلاً في الميدان العسكري فحسب، بل كان رجلاً في بيوت الله. تحدث إمام المسجد عنه قائلاً إنه كان رجلاً ذوقاً، حسن الخلق، كريماً بطبعه. كان يكرم المصلين، ويحضر الطعام بنفسه، ويصرّ على إنزاله من سيارته بيديه، قائلاً إنه يريد أجر المناولة .

 

كان من المداومين على الصلاة في المسجد، حاضر القلب قبل الجسد، يبتسم في وجوه الناس، ويخدمهم دون منٍّ ولا أذى. تلك هي الرجولة الحقة: عبادةٌ في المسجد، وبذلٌ في المجتمع، وثباتٌ في الميدان .

 

بين الفقد والفخر  

 

وأنا شاهدٌ على تلك اللحظات، رأيت في الجريف شرق يوماً لن يُنسى. رأيت الحزن، نعم، لكنه لم يكن حزناً منكسرًا، بل كان حزناً مكللاً بالعزة. رأيت أباً يزف ابنه إلى الجنة كما يُزف العريس، وأخاً يودع أخاه وهو مرفوع الرأس، وأمةً تودع أحد أبنائها وهي أكثر إيماناً بقيم التضحية .

 

إن فضل الشهيد عظيم عند الله، فقد وعد الله الشهداء بالحياة عنده، وبالمنزلة الرفيعة. والشهيد حمدي، بما عُرف عنه من شجاعةٍ في الميدان، وصبرٍ على البلاء، وكرمٍ في العطاء، ومواظبةٍ على الصلاة، جمع بين خصال الرجال الصالحين وخصال الأبطال المجاهدين .

 

نسأل الله أن يتقبله قبولاً حسناً، وأن يجعله في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً .

ونسأله تعالى أن يصبر والده شرف، الذي ضرب أروع أمثلة الثبات والرضا، وأن يجزيه عن صبره خير الجزاء .

وأن يبارك في أخيه محمد، ويجعل ما قدمه في ميزان حسناته .

وأن يحفظ قواتنا المسلحة، ويحفظ السودان وأهله من كل سوء .

رحم الله الشهيد العقيد ركن حمدي شرف الدين سيد أحمد، فقد عاش كريماً، وصبر عظيماً، ومضى إلى ربه شهيداً… وتلك منزلةٌ لا ينالها إلا من اصطفاه الله واختاره .

 

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان