في وداع رجلٍ بحجم وطن… حين تمشي الأمة خلف أحد أبنائها  

image-1122.jpeg

كتب- المهندس ابر اهيم الأمين خلف الله  

رحم الله الخليفة الطيب الجد العباس، فقد غاب الجسد وبقي الأثر، وانطفأت شمعة في دارٍ كانت تُضيء للناس دروبهم، لكن نورها كما عهدناه  لا ينطفئ، بل يمتد في القلوب، وفي السيرة، وفي الطريق الذي خطّه للناس بفعله قبل قوله .  

لم يكن يوم تشييعه يومًا عاديًا… ولم يكن مجرد وداع رجل، بل كان وداع مرحلة، ووقفة صادقة من شعبٍ بأكمله أمام سيرةٍ استثنائية. حضرتُ مواكب كثيرة في حياتي، لكنني أستطيع أن أقول بكل يقين: ما رأيته في أم ضواً بان لم أره من قبل… كان أكبر موكب تشييع أشهده في حياتي .  

image-1123.jpeg

بحرٌ من البشر… آلافٌ مؤلفة، جموعٌ لا تُحصى ولا تُعد، جاءت من كل حدبٍ وصوب، من القرى والمدن، من أطياف المجتمع كافة؛ علماء، قضاة، طلاب، مريدون، بسطاء، وشخصيات عامة… الجميع حضر، لا بدعوةٍ رسمية، بل بدعوةٍ صادقة من القلب .  

image-1121.jpeg

كان المشهد مهيبًا إلى حدٍ يصعب وصفه… صمتٌ يعلوه الدعاء، ووجوهٌ يكسوها الحزن، وعيونٌ تفيض بالدمع، لكنك في ذات اللحظة تشعر بشيءٍ آخر يسري في المكان… شعور بالعظمة، بعظمة هذا الرجل الذي استطاع أن يجمع الناس عليه حيًا، وأن يجمعهم عليه ميتًا .  

ذلك لم يكن مجرد موكب… كان شهادة حياة .  

 

رثاء في مقام الفقد العظيم  

 

ها هي أم ضواً بان اليوم تقف كما عهدناها… ثابتة، متماسكة، تُخفي حزنها خلف صبرٍ عميق، لكنها في داخلها تنزف وجع الفقد. تودّع واحدًا من أعمدتها، رجلًا لم يكن مجرد اسمٍ في سجل الأيام، بل كان زمانًا يمشي بين الناس، وقيمةً حيّة تُذكّرهم أن العدل لا يُساوم، وأن الصلح أعلى من الخصومة، وأن خدمة القرآن شرفٌ لا يُضاهى .  

 

رحل الرجل الذي جمع بين محراب القضاء وسجادة التصوف… فكان إذا حكم عدل، وإذا تكلّم أصلح، وإذا وعظ رقّت القلوب، وإذا حضر سكنت النفوس .  

 

كان قاضيًا لا تُغريه المناصب، وشيخًا لا تُثقله الألقاب… عاش بسيطًا كما الكبار، وعظيمًا كما لا يكون إلا القليل .  

 

سيرة تُحكى بالفعل قبل الكلمات  

 

من خلاوي القرآن في أم ضواً بان، حيث تبدأ الحكايات الصادقة، تفتحت روحه على كتاب الله، فصار القرآن عنده منهج حياة، لا مجرد علمٍ يُتلقى .  

ثم مضى في طريق العلم بثبات، حتى بلغ منصات القضاء، فتخرج في كلية الحقوق بجامعة الخرطوم، وتدرج في السلك القضائي حتى بلغ أعلى مراتبه، قاضيًا بالمحكمة العليا، ورئيسًا للجهاز القضائي في عدد من الولايات، ومثالًا يُحتذى للكفاءة السودانية داخل الوطن وخارجه .  

 

لكن عظمته لم تكن في المناصب… بل في كيف عاشها .  

 

ولمّا عاد إلى إرثه الروحي، حمل أمانة الخلافة عن الشيخ العبيد ود بدر، فكان امتدادًا صادقًا لذلك النور… حافظًا للمسيد، راعيًا للخلاوي، وخادمًا للناس .  

 

كان بيته مفتوحًا بلا حواجز، وطعامه حاضرًا بلا منّة، ومجلسه عامرًا بكل من قصده. أشرف على آلاف الطلاب من حفظة القرآن، وكان يرى في كل واحدٍ منهم مشروع نورٍ للمستقبل .  

 

رجل الإصلاح… حين تضيق الطرق تتسع حكمته  

image-1120.jpeg

في زمنٍ كثرت فيه الانقسامات، واشتد فيه التنازع، كان هو الملاذ .  

لم يكن مجرد شاهدٍ على الخلافات، بل كان صانعًا للحلول، وجسرًا تعبر عليه القلوب نحو السلام .  

 

قاد مبادرات الوفاق، وسعى بين القبائل، وأطفأ نيران الفتن بكلمةٍ صادقة، وقلبٍ نقي، وحكمةٍ نادرة .  

كان حضوره وحده كافيًا لتهدئة النفوس، وكأن الناس كانوا يرون فيه ما يطمئنهم قبل أن يسمعوا منه .  

 

فصار اسمه مرادفًا للإصلاح، وصار مسيده دار صلحٍ كما هو دار علمٍ وذكر .  

 

ملامح لا تُنسى  

 

فيه من الوقار ما يجعل الصمت حوله احترامًا،  

وفيه من التواضع ما يجعلك تنسى كل ما بلغ من مناصب،  

وفيه من الزهد ما يجعله قريبًا من القلوب دون تكلف .  

 

كان كما قالوا عنه :  

في هدوئه حكمة، وفي صمته كلام  

وكان بالفعل رجلًا إذا حضر اطمأن المجلس، وإذا غاب شعر الناس أن شيئًا كبيرًا قد غاب .  

 

وجع الفقد… لحظة إدراك لا تُنسى  

 

وأنا أسير في ذلك الموكب المهيب، بين تلك الجموع التي لا تنتهي، أدركت معنى الفقد الحقيقي  

ليس فقد شخص، بل فقد قيمة، فقد ميزان، فقد رجلٍ كان يُصلح ما تعجز عنه الكلمات .  

 

موتك لسه ما استوعبناه  

كيف نرثيك، وقد سبقتنا أعمالك إلى حيث لا يصل الرثاء؟  

لو كان الموت يُستشار، لما أذنّا لك بالرحيل،  

ولو كان يُفادى، لفدتك القلوب قبل الأجساد .  

 

ما بعد الرحيل… حين يبقى الأثر  

 

ذلك الموكب المهيب لم يكن نهاية… بل كان بداية لحكايةٍ أخرى، حكاية الأثر الذي لا يموت .  

يرحل الرجال، لكن القيم التي يزرعونها تبقى،  

ويرحل الصوت، لكن صداه في النفوس لا يغيب،  

ويرحل الشيخ، لكن المسيد عامر، والخلاوي عامرة، والقلوب التي ربّاها شاهدة على الطريق .  

 

سيبقى اسمه محفورًا في ذاكرة السودان، لا كشيخٍ فقط، بل كرمزٍ نادر جمع بين العدل والتصوف، بين العقل والقلب، بين الدولة والمجتمع .  

 

 

اللهم إن عبدك قد جاءك بما قدم من علمٍ وعدلٍ وإصلاح،  

فاجعل ذلك نورًا له في قبره، ورفعةً له في درجاته،  

وألحقه بالصالحين، واجعل البركة في ذريته وتلاميذه،  

وأدم على أم ضواً بان سكينته  

 

ثباتها  

 

أم ضواً بان… ساسك متين، وإن غاب الرجال الكبار، فآثارهم لا تزول .  

 

إنا لله وإنا إليه راجعون .  

 

           

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان