في ذكرى العيد الوطني الـ77: من الصين التي وجدتُها إلى الصين التي أراها

أسامة مختار- بكين
في كل عام، حين يحل الأول من أكتوبر، أتذكرُ الصين التي عرفتُها عندما وصلتُ إليها في نهاية عام 2009، وأقارنها بالصين التي أعيش فيها اليوم. وبين الصورتين تمتد أكثر من ستة عشر عاما من التحولات، لم أقرأ عنها في الكتب والتقارير فحسب، بل عشت جانبا منها يوما بعد يوم، ورأيتُها تكبر وتتغير أمام عيني، حتى أصبحت ذكريات تلك السنوات جزءا من ذاكرتي الشخصية والمهنية. .

الأول من أكتوبر ليس مجرد تاريخ في التقويم الصيني، وإنما يوم يستعيد فيه الصينيون ذكرى تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، حين وقف ماو تسي تونغ على منصة بوابة تيان آن من، وأعلن قيام الجمهورية الجديدة، فيما ارتفع العلم الأحمر ذو النجوم الخمس في سماء بكين وسط احتشاد مئات الآلاف. كانت تلك اللحظة تتويجا لمسيرة طويلة من الكفاح، وبداية فصل جديد في تاريخ أمة عانت كثيرا، لكنها امتلكتْ إرادة النهوض وبناء مستقبل مختلف.

ومنذ ذلك اليوم، بدأت الصين رحلة شاقة لبناء التعليم والصحة والاقتصاد وتحسين حياة شعبها، قبل أن تأتي سياسة الإصلاح والانفتاح عام 1978 لتفتح أمامها مرحلة جديدة، جعلت التنمية والتحول الاقتصادي والاجتماعي عنوانا بارزا لمسيرتها الحديثة،لكن الأرقام، مهما كانت كبيرة، لا تستطيع وحدها أن تروي قصة التحول.
حين وصلت إلى بكين في ذلك العام، كانت الصينُ قد قطعت شوطا طويلا في مسيرة التنمية والتطور، ومع ذلك كانت أمامها مساحات واسعة من المستقبل. وخلال السنوات التالية، شاهدتُ مدنا تتغير ملامحها، وشبكات مترو وقطارات تتوسع، ووسائل الاتصال تنتقل من مرحلة إلى أخرى، ثم رأيت الهاتف المحمول يتحول إلى جزء من تفاصيل الحياة اليومية، والدفع الإلكتروني والتجارة الإلكترونية والسيارات الكهربائية والقطارات فائقة السرعة تدخل حياة الناس بصورة لم يكن من السهل تخيلها قبل سنوات قليلة.
وكان القطار فائق السرعة أحد أكثر رموز هذا التحول وضوحا بالنسبة لي فقد اختصر المسافات، وغيّر مفهوم الزمن، وربط المدن الكبرى بالمناطق البعيدة، وجعل الصين تبدو وكأنها تُعيد رسم خريطتها الداخلية بسرعة مذهلة.
لكن أجمل ما في هذه الرحلة، بالنسبة لي، لم يكن المباني الشاهقة ولا الطرق والجسور، وإنما الإنسان الصيني نفسه، ذلك الإنسان الذي رأيتُه يعمل ويتعلم ويبحث عن حياة أفضل، ويتكيف مع التغيرات المتسارعة من حوله. ومن الحي الصغير إلى المدينة الكبيرة، ظل الإنسان حاضرا في قلب قصة التنمية.
ومنذ تولي الرئيس شي جين بينغ قيادة الصين، دخلت هذه المسيرة مرحلة جديدة ركزت على بناء مجتمع رغيد الحياة، والقضاء على الفقر المدقع، ودفع عجلة الابتكار والتحديث، وتعزيز التنمية الخضراء. وأعلنت الصين في عام 2021 القضاء على الفقر المدقع وفق معاييرها الوطنية، بعد انتشال مئات الملايين من الفقر، في واحدة من أبرز التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال العقود الأخيرة. وفي الوقت نفسه، اتسعت الاستثمارات في التكنولوجيا والابتكار، وتقدمت الصين في مجالات الفضاء والطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية والقطارات فائقة السرعة والتكنولوجيا الرقمية، وصولا إلى الذكاء الاصطناعي الذي أصبح اليوم أحد المجالات التي تضعها الصين في صميم رؤيتها المستقبلية.
ولم يكن الاهتمام بالتنمية منفصلا عن البيئة فقد أصبحت التنمية الخضراء وحماية الطبيعة جزءا من السياسات التنموية، وبرز مفهوم (الجبال الخضراء والمياه الصافية هي جبال من الذهب والفضة) تعبيرا عن رؤية تربط بين حماية البيئة والتنمية المستدامة .
ومع التحول الداخلي، اتسع حضور الصين في العالم. فمن مبادرة الحزام والطريق إلى مبادرات التنمية العالمية ،و الأمن العالمي، والحضارة العالمية ،والحوكمة العالمية وغيرها ، توسعت الشراكات مع دول آسيا وإفريقيا والعالم العربي ودول الجنوب العالمي. وبالنسبة لي، وبصفتي إعلاميا يعيش في الصين، كان من اللافت أن أرى هذه العلاقات تنتقل من البيانات والاتفاقيات إلى مشاريع وطرق وموانئ ومبادلات تجارية وتواصل إنساني وثقافي متزايد ما يجعلني أنظر إلى العلاقة بين الصين والعالم العربي والأفريقي بعين مختلفة ،عين إعلامي عاش التجربة من داخل الصين، ونقل كثيرا من تفاصيلها إلى الجمهور العربي.
وقد كانت السنوات التي قضيتُها في الإعلام الصيني رحلة أخرى موازية لهذه التحولات. لم أكن أتابع الصين من خلف مكتب أو من خلال الأخبار وحدها، بل كنت أعيش تفاصيلها اليومية، وألتقي الناس، وأتابع تغير المدن والمجتمع، وأرى كيف تتطور وسائل الإعلام نفسها وهي تلاحق بلدا يتغير بسرعة ، ولهذا فإن العيد الوطني بالنسبة لي ليس مناسبة رسمية عابرة، ولا تاريخا محفوظا في الكتب. إنه مناسبة تستدعي الذاكرة. أتذكر بكين التي عرفتُها في نهاية عام 2009، وأتذكر وجوه الزملاء والأصدقاء، والأيام الأولى، والتفاصيل الصغيرة التي تبقى عالقة في ذاكرتي
وفي الذكرى السابعة والسبعين لتأسيس جمهورية الصين الشعبية، تبدو المسافة بين 1949 و2026م هائلة، سبعة وسبعون عاما من الكفاح والتحول والتجربة والتعلم، ومن الصين التي بدأتْ رحلتها وسط تحديات قاسية إلى الصين التي تقف اليوم بثقل اقتصادي وتكنولوجي متزايد على المسرح العالمي، وتُواصِلُ البحث عن طريقها نحو المستقبل وقد يكون أجمل ما في العيد الوطني أن نتوقف قليلا أمام هذه الرحلة، لا لنحصي الإنجازات فقط، وإنما لنتأمل الإنسان الذي صنعها، والأجيال التي ورثت الحلم وأضافت إليه، والتضحيات التي سبقت كل ما نراه اليوم من عمران وتكنولوجيا وازدهار.
أما أنا، فعندما أرى العلم الأحمر ذا النجوم الخمس يُرفرف في سماء بكين في الأول من أكتوبر، لا أراه فقط رمزا لدولة تحتفل بعيدها الوطني، وإنما أراه أيضا شاهدا على جزء من حياتي التي عشتُها هنا.
إنًَها الصين التي وجدتُها عند قدومي إليها، والصين التي أراها اليوم، بعد كل هذه السنوات، وقد تغيرت كثيرا، لكنَّها تركتْ في القلب مكانا خاصا يشبه مكان الوطن الثاني.
وفي عيدها الوطني السابع والسبعين، أستعيدُ هذه الرحلة بامتنان ومحبة، رحلة بلد كتب خلال 77 عاما فصولا كثيرة من تاريخه، وما زال يفتح صفحة جديدة كل صباح. أما بالنسبة لي، فقد أصبحت الصين جزءا من حكايتي، وذاكرة من سنوات عمري، وحكاية ما زلتُ أعيش بعض فصولها على طريق طويل جمع بين الإعلام والعمل والصداقات والذكريات.
@@@@@@@