غادر جوازات الجيزة.. لكنه لم يغادر قلوب السودانيين
العقيد خالد أبو داؤد ينتقل إلى مهمة جديدة بعد سنوات جعل فيها الإنسانية جواز عبور

القاهرة - سودازول SudaZool
تقرير:-سيف البروف
بعض الأخبار تقرأ ثم تنسى، وبعضها يتوقف عنده القارئ قليلاً، ليس لأن القرار الذي تحمله استثنائي، وإنما لأن وراءه إنساناً ترك أثراً لا يشبه أثر الآخرين .
كان خبر انتقال العقيد خالد محمد أبو داؤد من إدارة جوازات الجيزة إلى مهمة جديدة، وفق مقتضيات العمل، واحداً من تلك الأخبار التي لم تمر عابرة على كثير من أبناء الجالية السودانية والوافدين الذين عرفوه وتعاملوا معه خلال سنوات عمله .
فالرجل الذي اعتاد الوافدين أن يجدوه خلف مكتب الجوازات بابتسامته الهادئة، لم يكن بالنسبة إلى كثيرين مجرد ضابط يؤدي مهمة وظيفية؛ بل كان نموذجاً لمسؤول استطاع أن يجمع بين هيبة القانون ودفء الإنسان .
في مكاتب الجوازات، غالباً ما تختصر العلاقة في أوراق تراجع، ورسوم تدفع، وأختام توضع، ثم يغادر صاحب المعاملة، لكن تجربة كثير من الوافدين مع العقيد خالد كانت مختلفة؛ فقد كان يرى خلف كل ورقة إنساناً، وخلف كل طلب قصة، وخلف كل مراجع ظروفاً قد لا يعرفها أحد .
كانت ابتسامته أول ما يستقبل به طالبي الخدمة، ثم يأتي التوجيه والمساعدة وإنجاز الإجراءات في إطار القانون، دون تعقيد أو إحساس بالمنّة. وبالنسبة إلى المرضى وكبار السن وذوي الإعاقة، كان الأمر يتجاوز حدود التعامل الوظيفي المعتاد؛ ففي بعض المواقف، حين يرى شخصاً لا يستطيع صعود السلالم أو الوصول إلى المكتب، كان يترك مكتبه وينزل إليه بنفسه، يجلس إلى جواره، يستمع إلى طلبه، يطمئنه، ويتابع أوراقه وإجراءاته حتى يحصل على الخدمة التي جاء من أجلها .
في تلك اللحظة لم يعد الأمر مجرد معاملة إدارية، وإنما تحول الواجب المهني إلى موقف إنساني بسيط، لكنه قادر على أن يبقى طويلاً في ذاكرة صاحبه .
وربما كانت علاقة العقيد خالد بالسودانيين هي الفصل الأكثر حضوراً في هذه الحكاية، خصوصاً خلال السنوات التي وجد فيها آلاف السودانيين أنفسهم في مصر تحت وطأة الحرب والنزوح والقلق، وهم يحاولون ترتيب أوضاعهم والوفاء بالإجراءات القانونية والإدارية التي فرضتها ظروفهم الجديدة .
وفي مثل هذه الظروف، لا يكون التعامل مجرد تفاصيل إدارية؛ فقد تكون كلمة طيبة أو ابتسامة أو شرح هادئ لإجراء ما، قادرة على تخفيف شيء من القلق الذي يحمله الإنسان معه إلى المكتب .
عرف الوافدين العقيد خالد بابتسامته، وحسن استقباله، واستعداده للاستماع، وحرصه على مساعدة من يحتاج إلى التوجيه، مع الالتزام بالقانون والإجراءات، ومع مرور الوقت، أصبح اسمه حاضراً في أحاديث عدد من أبناء الجاليات في مصر ممن تعاملوا معه.
وفي السياق ذاته.. تتواصل المتابة والتعليقات عن العقيد خالد داؤد

ضابط مصري أصبح حديث السودانيين في مصر ليس بسبب منصبه وإنما بسبب الطريقة التي تعامل بها معهم إنه العقيد خالد أبو داؤد الذي غادر جوازات الجيزة إلى مهمة جديدة بينما بقي أثره في ذاكرة من عرفوه .
في المكان الذي تمر فيه يومياً مئات المعاملات بين جوازات وإقامات وأوراق رسمية لم يتعامل العقيد خالد مع المراجعين باعتبارهم أرقاماً في طابور أو ملفات على مكتب بل كان يرى خلف كل معاملة إنساناً له ظروفه وحكايته .
عرفه السودانيون بابتسامته وحسن استقباله وحرصه على الاستماع لمن يحتاج إلى مساعدة أو توجيه مع الالتزام بالقانون والإجراءات وكان هذا التعامل يترك أثراً خاصاً لدى المرضى وكبار السن وذوي الإعاقة إذ كان في بعض المواقف يترك مكتبه وينزل بنفسه إلى من يصعب عليهم الصعود يجلس بجوارهم ويتابع إجراءاتهم حتى يحصلوا على الخدمة
ومع الحرب التي اندلعت في السودان تغيرت حياة ملايين السودانيين وكان من بينهم من وصل إلى مصر حاملاً معه ما يكفي من الخوف والقلق على أسرته ومستقبله .
في تلك الظروف لم تعد المعاملة داخل المؤسسات الرسمية مجرد إجراءات روتينية فالكلمة الطيبة والابتسامة وشرح إجراء معقد بهدوء كانت أحياناً تعني الكثير لشخص يعيش واحدة من أصعب مراحل حياته .
وهنا برزت قصة العقيد خالد لكنها لم تكن قصة رجل واحد فقط بل جزءاً من صورة أوسع لمواقف وجد فيها السودانيون من ضباط وموظفين مصريين تعاون وتفهم لظروفهم .
فمصر التي أصبحت ملاذاً لملايين السودانيين خلال الحرب لم تكن بالنسبة إلى كثير منهم مجرد مكان للإقامة وإنما كانت أيضاً وجوهاً مصرية التقوها في الشوارع والمستشفيات والمؤسسات ومكاتب الخدمات، ووجدوا في بعضها مواقف إنسانية بقيت في ذاكرتهم .
أما خالد أبو داؤد فكان للسودان وأهله مكان خاص وفي إحدى المناسبات وخلال حديثه عن الحرب وما خلفته من مآسي عبر عن أمله في أن يعود السلام للسودان وأن يعود أهله إلى بلادهم آمنين ثم قال للسودانيين عبارة اختصرت جانب كبير من علاقته بهم.. أنتم إخواتنا.. ووجعكم وجعنا .
لم تكن الكلمات بالنسبة إلى من سمعها مجرد مجاملة من مسؤول فقد جاءت في وقت كان فيه السودانيون يعيشون وجع الحرب والغربة ولذلك بقيت العبارة في ذاكرتهم .
وخلال سنوات عمله حظي العقيد خالد بتكريمات وشهادات تقدير من جهات سودانية وغيرها تقديراً لما وجدوه منه من تعاون وحسن تعامل ومساعدة في إطار القانون .
وكان من بين تلك التكريمات ما جرى في شهر يناير الماضي عندما كرمت جهات سودانية العقيد خالد وعدداً من العاملين بجوازات الجيزة تقديراً لدورهم في خدمة السودانيين والوافدين وتذليل العقبات أمامهم .
لكن المفارقة أن الرجل الذي اعتاد استقبال الناس خلف مكتبه أصبح اليوم هو من يتلقى رسائل الشكر والامتنان فخبر انتقاله جعل كثيراً من السودانيين يستعيدون مواقف صغيرة ربما لم يكن يتوقع هو نفسه أنها ستبقى في ذاكرتهم .
مريض وجد من ينزل إليه وكبير سن وجد من يصغي إليه ومراجع وجد من يشرح له إجراءاته بابتسامة وشخص جاء مثقلاً بقلق الغربه والنزوح والحرب فوجد أمامه مسؤولاً يقول له ببساطة: أنتم إخواتنا .
ولهذا فإن احتفاء السودانيين بالعقيد خالد اليوم لا يبدو احتفاءً بمنصب أو رتبة وإنما احتفاء بفكرة أكبر: أن الإنسان يستطيع أن يؤدي عمله ويحافظ على القانون وفي الوقت نفسه يحافظ على إنسانيته .
وقد تكون هذه هي الرسالة الأهم التي تركتها تجربته فالعلاقة بين المصريين والسودانيين لا تُكتب فقط في البيانات الرسمية وإنما تصنعها أيضاً تلك التفاصيل اليومية الصغيرة حين يمد شخص يده بالمساعدة إلى شخص آخر في وقت يكون فيه محتاجاً إليها .
اليوم يغادر العقيد خالد أبو داؤد جوازات الجيزة وتتغير مهمته ومكتبه لكن ما تركه خلفه لا ينتقل بقرار إداري لأن الملفات يمكن أن تنتقل والمكاتب يمكن أن تتغير أما أثر الإنسان في ذاكرة الناس فيبقى .
