جمعةٌ بطعم الوطن في مسجد أبي وقاص بقوانجو  

قوانجو- المهندس ابراهيم الأمين خلف الله  

الجمعة 2يناير2026  

image-329.jpeg

 

في مدينةٍ لا تنام، وتتشابه فيها الوجوه وتختلف اللغات، تظل صلاة الجمعة محطةً ثابتة تعيد ترتيب الروح، وتجمع القلوب قبل الأجساد .

وفي قوانجو، تأخذ الجمعة طعمًا مختلفًا، حين يكون الموعد في مسجد أبي وقاص، أو كما يُعرف تاريخيًا بـ مسجد هوايشينغ؛ أقدم مسجد في الصين، وأحد أعرق الشواهد على وصول الإسلام إلى هذه الديار البعيدة .

يقف المسجد شامخًا في قلب المدينة، جامعًا بين العمارة الصينية الأصيلة والزخارف الإسلامية، بمئذنته التاريخية التي كانت يومًا منارةً للملاحة ومرشدًا للسفن، قبل أن تصبح منارةً للقلوب .

ورغم الجدل التاريخي حول نسبة بنائه للصحابي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، إلا أن رمزيته بقيت راسخة، ومكانته في وجدان المسلمين – وخاصة المغتربين – لا يختلف عليها اثنان .

image-332.jpeg

مع اقتراب موعد الصلاة، تتقاطر الجموع من كل حدب وصوب؛وجوه من آسيا، أفريقيا، اوربا والعالم العربي،لغات متعددة، لكن تكبيرة الإحرام واحدة،ودعاء الجمعة يحمل همًّا مشتركًا، وأملًا لا يغيب .

 

ملتقى السودانيين… حيث تلتقي القلوب  

بعد التسليم من الصلاة، لا تنتهي الجمعة عندنا كسودانيين، بل تبدأ حكاية أخرى،لدينا مكان اعتدنا التجمع فيه، نلتقي، نتفقد بعضنا، نسأل عن الأحوال، عن الغائب، عن المريض، عن الجديد والقديم .

ثم تأتي الصورة الجماعية وهي عادة جميلة سنّها لنا الأخ أمير عكود، لتوثّق اللحظة، وكأننا نقول للغربة: نحن هنا… معًا .

image-330.jpeg

 

مكتب معاوية.. الألفة والمحبة  

ومن هناك، تتجه الخطى إلى مكتب شيخ معاوية، الذي أصبح امتدادًا طبيعيًا للمسجد والجمعة، باب مفتوح، وبشاشة لا تغيب، وكرم فيّاض يسبق الكلام،شاي، قهوة، عصائر، وتكتمل الجلسة حين يحضر الأخ عصام شاويش البليلة السودانية، بطعمها الذي يعيدك فجأة إلى حواري السودان وأمسياته البسيطة .

image-331.jpeg

 

جلسة تشبه الوطن  

 

في مكتب شيخ معاوية، تتلاشى المسافات .

نجلس ونتبادل أخبار السودان،

نستعيد القصص القديمة،

نضحك على الطرائف،

ونحكي عن الغربة بصدق، بلا تكلّف .

 

من الحضور الدائمين :

باشمهندس فخر الدين،

باشمهندس طارق،

صاحب الطرفة والتعليق الحاضر أمير عكود،

قاسم محمد إبراهيم ،

  محمد حمدان،

الشيفو،

الدكتور أسعد،

عصام شاويش ،

محمد الدندراوي وآدم ،

ومجموعة طيبة من الإخوة الذين يجمعهم الود قبل المكان .

 

جلسة صافية، خالية من التصنّع، تشعرك أنك في السودان لا في أقصى جنوب الصين، لا اختلاف، لا حواجز، فقط قلوب مفتوحة وذكريات مشتركة .

 

شيخ معاوية… روح المكان  

 

لا يمكن الحديث عن هذه الجمعة دون ذكر شيخ معاوية، ويعتبر من اقدم السودانيين الموجودين في قوانجو  والذي يستقبل الجميع بابتسامة صادقة،

ويحتوي المكان بروحه قبل كرمه،

ويجعل من مكتبه مساحة للونس، والدعاء، والحديث الهادئ .

 

هو نموذج جميل لما يمكن أن يكون عليه الإنسان في الغربة :

صدر رحب،

قلب عامر،

وبيئة تجمع ولا تفرّق .

 

 

هكذا تمضي جمعة قوانجو،

تبدأ في مسجدٍ عمره قرون،

وتنتهي في جلسةٍ تشبه الوطن،

بين دعاء، وضحكة، وكوب شاي، وبليلة سودانية .

 

هي ليست مجرد صلاة،

بل ذاكرة تُبنى كل أسبوع،

وتأكيد صامت أن الغربة مهما طالت،

فإن للقلوب دائمًا مكانًا تلتقي فيه .

 

 

    image-333.jpeg          

           

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان