حكايات الحي الثقافي ... الدوحة  

آمنة الفضل  

image-1577.jpeg

 

في أمسيةٍ صيفيةٍ ساحرة بمدينة الدوحة ..  

  كان الأدب حاضرًا في قلب المكان ..  

بين جدران مكتبة كتارا للرواية العربية ..  

كنت هناك، وكان الحضور أنيقًا، يليق بجمال الكلمة ..  

كنت أحمل بين يدي المايكروفون، بينما كانت يدي الأخرى تمسك بحكايات الحرب، ويحمل قلبي بين نبضاته عشق الوطن، المحبة والسلام. أما عقلي فكان كعادته المرهقة؛ يبحث عن إجابات شافية لأسئلتهِ الوجودية :  

هل ما زلنا أحياء؟     

هل غاب الفجر إلى الأبد؟     

هل سيطول هذا الظلام؟     

متى يصمت صوت الرصاص؟     

ومتى نعود إلى البيت؟  

أصبح كل شيء بالنسبة إليّ مألوفًا؛ أصوات الأنين، وقع أقدام النازحين، بكاء الأطفال، دموع الأمهات، الفقد، والحنين ...  

ثم تناهى إلى مسمعي فجأة صوت جدتي تدعوني إلى فنجان قهوة تحت ظل شجرة، على ضفاف النيل .  

ابتسمت وقالت: "هدئ من روعك قليلًا ."  

ربتت على كتفي، ثم غابت بين صفحات الكتاب .  

عدت إلى الواقع، محملةً  بالأسى والأمل معًا، لأجد نفسي ككل الحاضرين، أعيد طرح الأسئلة ذاتها .  

image-1578.jpeg

تحدث السيد السفير عن التاريخ والحضارة،  شعرت حينها أن الملكة أماني ريناس، ملكة مملكة كوش، تحوم حول المكان، وكأنها تبارك الذاكرة التي ما زالت تقاوم النسيان .  

وتحدث مدير مكتبة كتارا عن الأدب السوداني، فلوّح لي الطيب صالح تعلو وجهه ابتسامته الهادئة، كأن الأدب نفسه كان يجلس بيننا .  

image-1579.jpeg

 

وحين سأل أحد الحاضرين عن الأثر النفسي للحرب، رأيت فرويد يضع أمامي ساعةً رملية، وبجانبها إحدى لوحات "سلفادور دالي" ثم يقول في هدوء :  

" سيكون الجميع بخير ."  

في تلك اللحظة، جال بخاطري صوت مادح صوفي يردد :  

ياليلى ليلك جنً معشوقك أوّه وأنّ ..   

أعادني إلى صورة تلاميذ الخلاوي في المسيد؛  وهم يرتلون القرآن الكريم، متحلقين حول جذوة من النار تعلو كلما علت أصواتهم بالتلاوة حتى مطلع الفجر .  

امتلأ المكان بالسكينة .  

وكشفت الأمنيات الخضراء عن وجهها .  

واستقر الأمل في قلوب الحاضرين .  

ثم أيقنت، كما أيقن الجميع، أن الوطن ...  

سيعود جميلًا .  

سيعود عظيمًا .  

سيعود معافى .  

 

آمنة الفضل     

الدوحة يوليو 2026  

عدسه Omer Awad Sharief  

 

 

 

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان