كلمات صادقات في حق الراحل العزيز المقيم الدكتور عباس عبد الحليم عميد كلية الهندسة – جامعة سنار

إنا لله وإنا إليه راجعون
كتب- المهندس ابراهيم الأمين خلف الله
بقلوبٍ يعتصرها الألم، وعيونٍ يغمرها الدمع، ننعى فقيد العلم والإنسانية، رجلًا من أنقى رجال هذا الوطن، وأحد أعمدته الصامتة …
الدكتور عباس عبد الحليم
عميد كلية الهندسة – جامعة سنار
رحل عنا من كان أبًا قبل أن يكون أستاذًا، ومن كان سندًا قبل أن يكون مسؤولًا، ومن حمل همّ طلابه في قلبه قبل أن يحمله في منصبه .
اليوم لا نبكي عميد كلية الهندسة فقط …
بل نبكي إنسانًا استثنائيًا، رجلًا بسيطًا في مظهره، عظيمًا في أثره، متواضعًا في حياته، كبيرًا في عطائه، قريبًا من القلوب إلى حدٍ لا يوصف .
لقد كان الدكتور عباس مدرسة قائمة بذاتها …
علّمنا الهندسة، نعم… لكنه قبل ذلك علّمنا كيف نكون بشرًا، كيف نقف مع بعضنا، كيف نكون رحماء، وكيف نكون أوفياء .
من عاشره يعرف أنه لم يكن يومًا بعيدًا عن طلابه …
كنا نذهب إليه في كل مشكلة، فيجد لنا حلًا، وفي كل ضيق، فيفتح لنا بابًا، وفي كل لحظة ضعف، يمنحنا قوة وأملًا .
ورغم مرور ستة عشر عامًا على تخرجي، ما زلت أذكره وكأنه بيننا اليوم، بمواقفه التي لا تُنسى، والتي لا يمكن أن تصدر إلا من قلبٍ عظيم :
أتذكر يوم أصيب أحد زملائنا أثناء مباراة كرة قدم، وكانت حالته تتطلب عملية مكلفة في مدينة ود مدني… جمعنا ما استطعنا، لكنه لم يكن كافيًا… فذهبنا إليه، فما كان منه إلا أن قال بكل بساطة :
“ ارجعوا قروشكم الجمعتوها من الطلاب… أنا بتكفل بتكلفة العملية بالكامل .”
ثم لم يكتفِ بذلك، بل رافقنا بنفسه لزيارة زميلنا، في موقفٍ إنسانيٍ عظيم ظل محفورًا في الذاكرة، ومحل تقدير كبير من أسرته .
وأتذكر يومًا آخر، حين كان أحد زملائنا مهددًا بالحرمان من الدراسة، لأنه لم يملك رسوم الدراسة ، وكان ذلك آخر يوم للتسجيل … جمعنا له مبلغًا، لكنه لم يكن كافيًا، فرفض المسجل تسجيله …
ذهبت اليه برفقة الطالب ، فأنصفه فورًا، وخفّض المبلغ، ووقّع له بنفسه، وقال بصوته القوي :
“ أسرعوا… أمشوا ادفعوا .”
وقفتُ للحظة، فقال لي بصوته العالي : واقف مالك؟
قلت له: يا دكتور… نحن دفعنا كل ما عندنا… حتى حق الفطور ما عندنا .
في تلك اللحظة… تغيّر صوته، وابتسم، وتحول ذلك الحزم إلى حنان أب، وأخرج من جيبه مالًا وقال :
“ دي قروش الفطور… أمشوا .”
ذهبنا لزملائنا ونحن نضحك، وقلت لهم :
“ طلعت ليكم قروش الفطور من العباس …”
وكانت لحظة بسيطة… لكنها عظيمة المعنى، لا ينساها من عاشها .
وأتذكر أيضًا حين كنا ذاهبين لمباراة ودية لمنتخب الجامعة، ولم نجد وسيلة نقل… لأن الباص كان في رحلة أخرى …
فقال لنا بكل بساطة: “أنا بوصلكم .”
نعم… عميد كلية الهندسة بنفسه، يقود سيارته ليُوصل طلابه للمباراة …
وعندما وصلت إلى زملائي اللاعبين وانا راكب معه في سيارته البوكس ، لم يصدقوا المشهد… كيف لإنسانٍ في هذا المنصب أن يكون بهذا التواضع؟
لكن من يعرف الدكتور عباس… لا يستغرب .
فهو الرجل الذي ما قصدناه يومًا في مشكلة إلا وحلّها،
وما طرقنا بابه إلا وفتحه،
وما لجأنا إليه إلا وكان لنا نعم السند .
كان محبوبًا من الجميع …
ويكفيه فخرًا أنه رحل في يوم الجمعة،
وشيّعه جمعٌ غفير في مشهدٍ مهيب،
شهد له فيه الناس قبل الدعاء، بالحب، وبالخير، وبالجميل الذي زرعه في كل قلب .
رحلت يا دكتور …
لكن سيرتك باقية،
وكلماتك حيّة،
وأثرك ممتد في كل طالبٍ علّمته،
وفي كل نفسٍ رفعتها،
وفي كل إنسانٍ ساعدته .
اللهم ارحمه رحمةً واسعة،
واجعل قبره روضةً من رياض الجنة،
واجعل كل ما قدمه لطلابه صدقةً جارية له إلى يوم القيامة .
اللهم أكرم نزله، ووسع مدخله، ونوّر قبره، وثبّته عند السؤال،
واجعله في أعلى جناتك مع الصديقين والشهداء والصالحين .
اللهم لا تفتنا بعده، ولا تحرمنا أجره، واغفر لنا وله .
اللهم اربط على قلوب أهله، ومحبيه، وطلابه، وزملائه،
واجعل الصبر سلوانهم، والرضا عزاءهم .
وداعًا يا دكتور عباس …
نم قرير العين فقد تركت فينا أثرًا لا يموت،
وسيرةً ستُروى جيلًا بعد جيل .
م/ إبراهيم الامين خلف الله
الجمعة 03/04/2026
مدينة سنار