قراءة في كتاب حوارات في عوالم الكلمة والإبداع للأستاذ محمد نجيب محمد علي
كتب- الأستاذ كمال باشري

يعتبر هذا الكتاب "حوارات في عوالم الكلمة والإبداع" للأستاذ محمد نجيب محمد علي علاقة بين القارئ وبين كوامن النفس المبدعة إذ يثبت "محمد نجيب" أنه أعمق من محاور صحفي برفقته و تقصيه لدروب المبدعين و ذلك بقدرتة الاستثنائية على ممارسة النقد عبر الحوار بطرح الأسئلة و فتح آفاق جديدة للنقاش، تجعل من يحاوره يعيد اكتشاف نصه من منظور مغاير .
قيمة هذا الكتاب تتجلي في كونه "أنطولوجيا معاصرة" توثق للحركة الفكرية والأدبية، حيث يستند مؤلفه إلى خلفية أدبية رصينة تجعل من كل حوار جلسة معرفية متكاملة .
من خلال قلم محمد نجيب الذي ينبض بالعطاء نطلّ على خارطة الإبداع السوداني والعربي، ونلمس كيف تتحول الكلمة لديه إلى أداة لكشف المسكوت عنه في تجارب الأدباء، مما يجعل هذا الكتاب مرجعاً ملهماً لكل كاتب وباحث يسعى لفهم كواليس الإبداع في تجلياتها المختلفة .
لا تقتصر أهمية هذه الحوارات على جانبها الفني لكنها تمتد لتشكل مشروعاً رصيناً لتوثيق الهوية الثقافية. و من خلال تتبع مسارات المبدعين، فإن الكاتب ينقب عن الملامح الوجدانية والفكرية التي تشكل الهوية السودانية والعربية في تجلياتها الأدبية، و يحول الحوار من حديث عابر إلى وثيقة تاريخية تحفظ أفكار جيل من المبدعين عن قضايا الجمال، الوطن، والذات كمرجع لا غنى عنه في قراءة ملامح الشخصية الثقافية وتطورها عبر الازمنة .
يظل كتاب 'حوارات في عوالم الكلمة والإبداع' شاهداً باقيا على أن الكلمة حين تُكتب بوعي، تتحول إلى إرثٍ للأجيال فالجهد التوثيقي الذي بذله الأستاذ محمد نجيب محمد علي كما يخدم الحاضر الثقافي فإنه يضع بين يدي المستقبل مفاتيح الدخول إلى عوالم المبدعين، وفهم الجذور التي نبتت منها نصوصهم .
إن حماية الهوية الثقافية تبدأ من هذا النوع من التدوين الرصين الذي يحيل التجارب الفردية إلى إرث ملهم . و يرسخ منهجاً يُثبت أن الحوار هو أسمى درجات التواصل الإنساني، وأقوى الأدوات لحفظ الذاكرة الإبداعية من الضياع متجاوزة الأحداث التي إستهدفت محوها بالدمار و الحريق و سيبقى هذا الكتاب منارةً لكل من ينشد الصدق في التعبير، والعمق في البحث عن جوهر و حقيقة الإنسان داخل النصوص .