الهجرة غير الشرعية – قراءة قانونية في جذور الأزمة العالمية وحلولها الممكنة  

تقرير- علي سلطان  

 

image-266.jpeg

 

مقدمة:  

ظاهرة تتحدى القانون والإنسانية  

ثمة بحرٌ  عميق وموج متلاطم ورياح عاتية وطيور نورس تحلق في الفضاء، وقارب صغير تلعب به الأمواج يعلو تارة ويغوص في عمق الماءتارة أخرى، ترفعه موجة وتهبط به اخرى، كأنه بين مد وجزر، ترتفع الاصوات بالبكاء والصراخ، والخوف يبغ منتاهه والدعاء والتضرع لا يتوقف، اطفال صغار ورضع ونساء ورجال  بلغ بهم اليأس منتاه، قد تدركهم رحمة الله المنجي او يبتلعهم البحر في جوفه؟!   

تعتبر الهجرة الشرعية من القضايا العالقة التي تقض مضاجع أوروبا والغرب عامة، ولم تعد الهجرة غير الشرعية مجرد ظاهرة عابرة، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا العالمية تعقيدًا، تختلط فيها المآسي الإنسانية بالمصالح السياسية والاقتصادية .   
فمن سواحل إفريقيا إلى البحر المتوسط، ومن الحدود اللاتينية إلى شواطئ أوروبا، تتقاطع حكايات الأمل بالخوف، والبحث عن حياة كريمة عبر بحارالموت غرقًا،  أو ضياعًا في المنافي .  

 لقد أصبحت الهجرة غير الشرعية في العقود الأخيرة من أبرز القضايا التي تتقاطع فيها القوانين الدولية مع الاعتبارات الإنسانية والسياسات السيادية للدول. لم تعد مجرد حركة أفراد يسعون لعبور الحدود، بل ظاهرة معقدة متعددة الأبعاد تشمل شبكات تهريب منظمة، وأزمات اقتصادية، وحروبًا ممتدة، وفشلًا في منظومات العدالة والتنمية .   
وتُقدّر منظمة الهجرة الدولية (IOM)  أن أكثر من  40  مليون شخص حول العالم يعيشون في وضع غير نظامي، أي خارج الأطر القانونية المعترف بها في الدول المضيفة، وهو رقم يكشف حجم التحدي الذي يواجه المجتمع الدولي .  

وتشير الإحصاءات الحديثة إلى أن الملايين من المهاجرين غير النظاميين يعبرون سنويًا نحو أوروبا وأمريكا الشمالية، بينما تستضيف دول العبور – كليبيا وتركيا والمغرب – أعدادًا ضخمة منهم، ما يفرض ضغوطًا إنسانية وأمنية غير مسبوقة .

 

image-265.jpeg

 

 

تجريم الدخول غير المشروع إلى أراضي الدول  

تتفق معظم التشريعات في العالم على تجريم الدخول غير المشروع باعتباره مساسًا بسيادة الدولة ونظامها العام، وتتراوح العقوبات بين الغرامة والسجن، وقد تصل إلى الترحيل والمنع من الدخول مجددًا، غير أن بعض الأنظمة الأوروبية تتعامل مع المهاجرين غير النظاميين من منظور إنساني، فتمنحهم الحق في طلب اللجوء أو الحماية المؤقتة إذا أثبتوا تعرضهم للخطر في أوطانهم .  

وتكمن الإشكالية القانونية في إيجاد التوازن بين حق الدولة في حماية حدودها وحق الأفراد في البحث عن الأمان والحياة الكريمة، وهو توازن دقيق غالبًا ما يكون محل جدل سياسي وقانوني واسع .  

image-265.jpeg

العقوبات المقررة على شبكات التهريب والمتعاونين  

تمثل شبكات تهريب المهاجرين أحد أخطر مظاهر الجريمة المنظمة العابرة للحدود،  وتنص اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية لعام 2000 وبروتوكولها الخاص بمكافحة تهريب المهاجرين على ضرورة تجريم التهريب وتشديد العقوبات ضد القائمين به أو المتعاونين معهم، وتلزم هذه  الاتفاقية ضمان حقوق المهاجرين الإنسانية خلال التحقيق والترحيل.

وتتجه الأنظمة القانونية في معظم دول العالم إلى تشديد العقوبات على شبكات تهريب المهاجرين والمتعاونين معهم، نظرًا لما تمثله هذه الشبكات من خطر مزدوج: فهي تنتهك القوانين الوطنية من جهة، وتستغل المهاجرين وتعرض حياتهم للخطر من جهة أخرى .

ويُعرّف “تهريب المهاجرين” وفق اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (2000) وبروتوكولها الإضافي بأنه: تيسير دخول شخص إلى دولة هو ليس من رعاياها أو المقيمين فيها بصورة غير مشروعة، من أجل الحصول على منفعة مالية أو مادية .

وتشمل العقوبات عادةً :  

السجن لفترات طويلة (تصل إلى 10 أو 15 سنة في بعض الدول) .

الغرامات المالية الباهظة .

مصادرة الوسائل المستخدمة في التهريب، كالقوارب أو المركبات .

تشديد العقوبة إذا نتج عن التهريب وفاة أشخاص أو إصابتهم، أو إذا كانت الضحايا من النساء والأطفال .

كما يُجرَّم في بعض الأنظمة مجرد تقديم المساعدة أو الإيواء أو النقل لمهاجر غير شرعي، حتى لو لم يكن مقابل عائد مالي، لاعتباره مشاركة في جريمة التهريب .

 

اتفاقية جنيف لعام 1951 ومبدأ عدم الإعادة القسرية  

تُعتبر اتفاقية جنيف لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والبروتوكول المكمل لها لعام 1967، المرجع القانوني الأهم في تحديد حقوق اللاجئين والتزامات الدول .  

ومن أبرز المبادئ التي أرستها الاتفاقية مبدأ عدم الإعادة القسرية (Non المنصوص عليه في المادة 33، والذي يحظر على الدول إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه للاضطهاد أو الخطر على حياته أو حريته، هذا المبدأ أصبح اليوم قاعدة عرفية دولية ملزمة حتى للدول غير الموقعة على الاتفاقية، ويُعتبر أحد أهم الضمانات الإنسانية في مواجهة السياسات الصارمة تجاه المهاجرين غير الشرعيين،  ومع ذلك، تُجيز الاتفاقية استثناءً محدودًا في حالة وجود خطر أمني جسيم من الشخص المعني، أو إذا ارتكب جريمة خطيرة، لكن تطبيق هذه الاستثناءات يخضع دائمًا لرقابة مشددة من الهيئات الأممية والمحاكم الدولية، منعًا لتحويلها إلى وسيلة للالتفاف على الالتزامات القانونية .  

وتكرّس المادة 33 من الاتفاقية مبدأ عدم الإعادة القسرية  الذي يحظر إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه للاضطهاد أو الخطر على حياته أو حريته، وقد اكتسب هذا المبدأ مكانة القاعدة العرفية الدولية، بما يجعله ملزمًا لجميع الدول، حتى غير الموقعة على الاتفاقية .  

إلا أن هناك استثناءات محدودة تتعلق بالأشخاص الذين يشكّلون خطرًا على أمن الدولة، أو ارتكبوا جرائم خطيرة، مع بقاء تطبيق هذه الاستثناءات خاضعًا للرقابة القانونية والإنسانية الدقيقة.  

إجراءات الترحيل والإعادة إلى بلدان الأصل أو العبور  

تُعد إجراءات الترحيل من أكثر القضايا حساسية في التعامل مع المهاجرين غير الشرعيين،  ففي حين تملك الدولة حقًا سياديًا مطلقًا في تنظيم الوجود الأجنبي على أراضيها، إلا أن ممارسة هذا الحق يجب أن تراعي المعايير الدولية لحقوق الإنسان.  

مراحل إجراءات الترحيل بعدة مراحل :  

التحقق من الهوية والجنسية عبر التنسيق مع سلطات بلد الأصل أو العبور .  

إصدار قرار إداري أو قضائي بالترحيل، يحدد الجهة المنفذة والمدة الزمنية .  

ضمان حق الطعن في القرار في بعض الأنظمة القضائية، خصوصًا في الدول الأوروبية .  

تنفيذ الترحيل إما عبر الإعادة إلى بلد الأصل، أو إلى بلد ثالث آمن وافق على الاستقبال .  

إلا أن العديد من الدول تفضّل ما يُعرف بـ"العودة الطوعية"، وهي إجراء تعاوني مع المنظمات الدولية كمنظمة الهجرة (IOM) ، لتجنب الأبعاد الإنسانية السلبية للترحيل القسري .  

الجدل القانوني القائم حول التوازن بين السيادة الوطنية والالتزامات الدولية  

يشكّل هذا المحور أحد أكثر الجوانب تعقيدًا في الجدل القانوني المعاصر حول الهجرة غير الشرعية، فمن جهة، تمتلك الدول الحق السيادي في حماية حدودها وتنظيم دخول الأجانب؛ وهو مبدأ أصيل في القانون الدولي العام .  

ومن جهة أخرى، تُلزم الاتفاقيات الدولية – ولا سيما تلك المتعلقة بحقوق الإنسان واللاجئين – الدول باحترام التزاماتها الإنسانية وعدم الإضرار بالأفراد الباحثين عن الحماية .  

ويبرز التحدي الحقيقي في محاولة التوفيق بين هذين المبدأين :  

فالدول الأوروبية مثلاً تواجه انتقادات بسبب تشديد الرقابة الحدودية وإغلاق الموانئ أمام قوارب المهاجرين، وهو ما يُعد انتهاكًا لمبدأ عدم الإعادة القسرية .  

بينما ترى هذه الدول أن الأمن الوطني وحماية المجتمع تبرران اتخاذ إجراءات مشددة، خاصة في ظل تصاعد الإرهاب والجريمة العابرة للحدود .  

أما على المستوى العربي، فمعظم الدول تميل إلى إعطاء أولوية للسيادة الوطنية، لكنها في الوقت ذاته تتعاون مع المنظمات الدولية لتوفير حلول إنسانية تحفظ الكرامة الإنسانية للمهاجرين وتخفف من الضغط على الدول المستقبلة .  

وهكذا، يبقى الحل في إيجاد نموذج توازني يضمن احترام سيادة الدولة، مع التزامها بالمعايير الدولية التي تحمي الإنسان من الانتهاك والتعسف .  

نحو مقاربة قانونية متوازنة للهجرة غير الشرعية  

تُظهر القراءة القانونية لملف الهجرة غير الشرعية أن هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها في بعدها الأمني فقط، بل تمثل قضية إنسانية عالمية تتطلب معالجة متكاملة .  

فالتجريم والردع ضروريان لحماية الحدود، لكن احترام الكرامة الإنسانية والالتزامات الدولية لا يقلّان أهمية، ولذلك، فإن تبنّي منظومة قانونية متوازنة قائمة على التعاون الدولي، وتشديد العقوبات على شبكات التهريب، وتسهيل العودة الطوعية، يمثل الطريق الأمثل نحو حماية الإنسان والقانون معًا .  

وفي النهاية، فإن الدول التي تجعل من احترام الكرامة الإنسانية جزءًا من سيادتها، ترسّخ لنموذج حضاري يُعلي من قيمة الإنسان قبل أي اعتبار آخر .  

  أرقام من واقع الهجرة غير الشرعية  

أحدث التقديرات الدولية (2024):  

عدد المهاجرين غير النظاميين عالميًا: نحو 281 مليون شخص، أي ما يعادل 3.6% من سكان العالم .  

أكثر طرق الهجرة خطرًا: طريق وسط البحر المتوسط بين ليبيا وإيطاليا، حيث يُسجل سنويًا آلاف الوفيات .  

أكثر الدول المصدّرة للمهاجرين: سوريا، أفغانستان، السودان، فنزويلا، والصومال .  

أكثر الدول المستقبِلة للمهاجرين عبر البحر المتوسط: إيطاليا، إسبانيا، واليونان .  

عائدات شبكات التهريب عالميًا: تتجاوز 7 مليارات دولار سنويًا وفق تقديرات الأمم المتحدة .  

برامج العودة الطوعية (IOM):  أعادت أكثر من 70 ألف مهاجر إلى بلدانهم الأصلية خلال عام 2023 .  

الجذور التاريخية لظاهرة الهجرة غير الشرعية  

تاريخيًا، بدأت ملامح الهجرة غير الشرعية بالظهور الواضح بعد الحرب العالمية الثانية، حين بدأت موجات بشرية كبيرة تتجه من الجنوب إلى الشمال بحثًا عن إعادة الإعمار والعمل في أوروبا وأمريكا .   
ومع تطور أنظمة الهجرة وتقييد الدخول، تحوّل ما كان يُعرف بالهجرة العمالية المشروعة إلى مسارات غير نظامية .   
في تسعينيات القرن الماضي، زادت الظاهرة بشكل حاد نتيجة انهيار الاتحاد السوفييتي، واندلاع النزاعات الأهلية في إفريقيا والبلقان، وتفاقم الأزمات الاقتصادية في أمريكا اللاتينية .  

اليوم، لم تعد الهجرة غير النظامية مجرد تحرك عفوي، بل أصبحت ظاهرة منظّمة يقودها اقتصاد الظل العالمي، تديرها شبكات تهريب تربط بين قارات مختلفة وتدر مليارات الدولارات سنويًا .  

 

image-267.jpeg

 

المفهوم القانوني للهجرة غير الشرعية  

تُعرّف الأمم المتحدة الهجرة غير النظامية بأنها :  

دخول شخص إلى دولة أو إقامته فيها دون استيفاء الشروط القانونية المطلوبة للدخول أو الإقامة .”  

بموجب هذا التعريف، لا يعني المهاجر غير النظامي بالضرورة أنه "مجرم"، بل هو في الأصل مخالف لإجراءات الدخول والإقامة. ومع ذلك، تختلف التشريعات من دولة إلى أخرى في تصنيف هذه المخالفة؛ فبعض الدول تعتبرها جنحة إدارية، بينما تصنفها أخرى جريمة يعاقب عليها بالسجن أو الغرامة .  

القانون الدولي لا يستخدم مصطلح "الهجرة غير الشرعية" لأنه يوحي بالتجريم، بل يفضل مصطلح  الهجرة غير النظامية ”  الذي يعبّر عن مخالفة إجرائية دون إنكار للحقوق الإنسانية للشخص .  

 ولقد لخصت منظمات و وكالات الهجرة الدولية  أسباب الهجرة الشرعية في  عدد من المحاور، من أهمها:  

الأسباب القانونية والسياسية والاقتصادية وراء الظاهرة  

يمكن تحليل جذور الهجرة غير الشرعية من خلال ثلاث مجموعات رئيسية من الأسباب :  

الأسباب الاقتصادية :  

  • ارتفاع معدلات البطالة والفقر في دول الجنوب .

  • غياب العدالة في توزيع الثروات .

  • الفوارق الهائلة بين الأجور ومستوى المعيشة بين الشمال والجنوب .

  • فشل السياسات التنموية في خلق فرص عمل مستدامة .

الأسباب السياسية :  

  • النزاعات المسلحة والحروب الأهلية كما في سوريا والسودان واليمن وليبيا .

  • انهيار مؤسسات الدولة في بعض المناطق الإفريقية .

  • الفساد الحكومي وسوء الإدارة وغياب الحوكمة الرشيدة .

  • الاضطهاد السياسي أو الديني الذي يدفع الأفراد للفرار .

الأسباب القانونية والتنظيمية :  

  • تشدد قوانين الهجرة في الدول المتقدمة وصعوبة الحصول على التأشيرات .

  • ضعف الرقابة القانونية على شبكات التهريب في دول العبور .

  • غياب اتفاقيات ثنائية فاعلة لإعادة المهاجرين أو تنظيم العمالة الموسمية .

 

أ سباب الهجرة غير الشرعية: بين الفقر والحروب والفساد  

  • تتعدد الأسباب التي تدفع الأفراد إلى المخاطرة بحياتهم وركوب البحر أو عبور الصحارى،  غير أن القاسم المشترك الذي يدفع معظم  الشباب تحديدا للهجرة غير الشرعية هو   الفقر والبطالة  وعدم ظهور اي بارقة أمل  حياتهم لتحسين أوضاعهم أضواعهم في بلدانهم، ومع مرور الايام تصبح الحياة عندهم بلامعنى وبلا دافع، ومع الترويج الخفي المسستتر بين الشباب للهجرة غير الشرعية والحديث عن النعيم الذي يمدنتظر هؤلاء في دول اوروبا والغرب عموما، يتحمس الشباب للهجرة ويدفعون كل مايملكون لسماسرة الهجرة والموت، ويقولون اوروبا او الموت غرقا، وكثير من هؤلاء غرر بهم وكان مصيرهم الموت غرقا وطعاما سهلا  لاسماك القرش .   

 

 

خريطة المهاجرين: من أين يأتون؟ وإلى أين يذهبون؟  

وفقًا لوكالة الهجرة الدولية، تأتي معظم موجات الهجرة غير الشرعية من :  

إفريقيا :  

تشكل القارة السمراء المصدر الأكبر للمهاجرين غير النظاميين إلى أوروبا، خاصة من دول الساحل الإفريقي (مالي و نيجيريا و النيجرو تشاد،والسودان، واثيوبيا وارتيريا) .   
تُعد ليبيا وتونس أبرز نقاط العبور عبر البحر المتوسط نحو إيطاليا ومالطا واليونان .  

الشرق الأوسط :  

تشهد المنطقة موجات نزوح كبرى بسبب النزاعات، حيث تبرز سوريا واليمن والعراق كأهم بؤر الانطلاق. كما تُستخدم تركيا ولبنان كنقاط عبور رئيسية نحو أوروبا .  

أمريكا اللاتينية :  

يُعد الممر بين المكسيك والولايات المتحدة أخطر ممر بري في العالم، حيث يقطع المهاجرون واغلبهم من  فنزويلا وهندوراس والمكسيك آلاف الكيلومترات سيرًا على الأقدام، ويموت الآلاف سنويًا بسبب العطش والعنف والاعتقال .  

أما الوجهات الأكثر استقطابًا فهي :  

  • أوروبا عبر البحر المتوسط .

  • الولايات المتحدة عبر الحدود الجنوبية مع المكسيك .

  • الخليج العربي في حالات نادرة مرتبطة بالعمالة غير النظامية .

  •  

تكلفة الهجرة غير الشرعية: بين المهربين والبحر والموت  

الهجرة غير الشرعية تجارة تُدر مليارات الدولارات على شبكات التهريب، التي تستغل بؤس الناس لتبيعهم وهم الوصول إلى "الفردوس الأوروبي ".   
وتُقدّر تكلفة الرحلة الواحدة عبر البحر المتوسط بين  2000  إلى 7000 دولار أمريكي، يدفعها المهاجر مقابل قارب متهالك أو عبور محفوف بالموت .   
وفقًا لتقارير المنظمات الدولية، يفقد أكثر من 3 آلاف شخص سنويًا حياتهم غرقًا في البحر المتوسط وحده .  

قصص من عمق المأساة: أحلام غرقت قبل أن تصل  

ماتزال قصة الطفل السوري "آلان الكردي" الذي غرق عام 2015، تلقى بظلالها  على مشهد مأساوي قاتم و حزين، ولم يتوقف الشباب عن ركوب البحر على متن قوارب الهجرة  دون توقف إلى هذه الساعة،    كل يوم تخرج من البحر قصص حزينة لحالات غرق جماعي، شباب  من معظم الدول الافريقية ومعهم نساء واطفال التهمهم البحر، جنسيات سودانية واثيوبية وارتيرية مصرية دفعوا آلاف الدولارات لسماسرة الموت، القصص تتكرر، والنهايات غالبًا مأساوية .

تناقلت وكالات الانباء العالمية قبل ايام غرق قارب على متنه اكثر م 60 شابا سودانيا غرق معظمهم في البحر الابيض المتوسط منهم 10 اشخاص من منطقة العسيلات في شرق النيل بولية الخرطوم السودانية، وقبلهمةتوفيت محموعة ايضا من الشباب السودانيين، وتشهد سواحل ليبيا وتونس حالات غرق عديدة لمهاجرين غير شرعيين من بينهم أطفال ونساء..!  

 سؤال مهم- ماذا لو وصل المهاجر سالمًا إلى أوروبا؟  

رغم المخاطر، فإن بعض المهاجرين يحققون نتائج إيجابية :  

  • تقديم طلب لجوء والحصول على إقامة قانونية .

  • الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية .

  • فرص العمل في الاقتصاد غير الرسمي .

  • الاندماج الاجتماعي والثقافي .

لكن هذه النتائج ليست مضمونة، ويظل الطريق محفوفًا بالتحديات القانونية والاجتماعية .  

التحديات القانونية للدول المضيفة  

تتعامل الدول المضيفة مع الهجرة غير النظامية عبر أطر تشريعية متعددة تشمل :  

  • تجريم الدخول غير المشروع إلى أراضيها .

  • فرض عقوبات على المهربين والمتعاونين معهم .

  • إجراءات الترحيل والإعادة إلى بلدان الأصل أو العبور .

  • إنشاء مراكز احتجاز مؤقتة للمهاجرين بانتظار تحديد أوضاعهم القانونية .

لكن تطبيق هذه الإجراءات يثير جدلاً واسعًا في الأوساط الحقوقية، إذ يرى المدافعون عن حقوق الإنسان أن بعض الدول تتجاوز حدود المعقول في معاملة المهاجرين، وأن بعض مراكز الاحتجاز تحولت إلى أماكن تفتقر للحد الأدنى من الكرامة الإنسانية .  

ومع ذلك، تظل معظم التشريعات تتعامل مع المهاجر غير الشرعي باعتباره مخالفًا للقانون، لا ضحية لظروف إنسانية .  

الأبعاد الاقتصادية للهجرة غير النظامية  

من الناحية الاقتصادية، تمثل الهجرة غير النظامية ظاهرة مزدوجة التأثير :  

  • على الدول المصدرة تخسر القوى العاملة المؤهلة وتستنزف أموال المهاجرين الذين ينفقون مدخراتهم على شبكات التهريب .

  • على الدول المستقبلة توفر الهجرة أيدي عاملة رخيصة في قطاعات الزراعة والبناء والخدمات، لكنها تخلق أيضًا ضغطًا على الخدمات العامة والبنية التحتية .

يقدّر البنك الدولي أن تحويلات المهاجرين النظاميين وغير النظاميين إلى بلدانهم الأصلية بلغت أكثر من  650  مليار دولار سنويًا، وهو رقم يتجاوز المساعدات التنموية الرسمية العالمية .  

التكلفة المالية لمكافحة الهجرة غير الشرعية  

أوروبا  

  • الاتحاد الأوروبي خصص أكثر من 22 مليار يورو بين عامي 2021 و2027 لمكافحة الهجرة غير النظامية .

  • إيطاليا دفعت نحو 200 مليون يورو في اتفاقيات مع ليبيا وتونس لدعم خفر السواحل .

  • الاتفاق مع ألبانيا لإنشاء مراكز استقبال قد تصل تكلفته إلى عشرات الملايين سنويًا .

الولايات المتحدة  

  • تنفق أكثر من 20 مليار دولار سنويًا على أمن الحدود، تشمل بناء الحواجز، تشغيل مراكز الاحتجاز، وتمويل برامج العودة .

ورغم ضخامة هذه التكاليف، فإن فعاليتها محل جدل واسع، إذ يرى كثير من الخبراء أن معالجة الأسباب الجذرية للهجرة قد تكون أكثر جدوى وأقل تكلفة على المدى الطويل .  

محاربة الهجرة غير الشرعية: الحلول الأمنية وحدها لا تكفي  

تتخذ الدول الأوروبية والأمريكية إجراءات صارمة للحد من تدفق المهاجرين، مثل :  

  • تشديد الرقابة على الحدود .

  • إنشاء مراكز احتجاز وترحيل .

  • توقيع اتفاقيات مع دول العبور مثل ليبيا وتونس وتركيا .

لكن الخبراء يؤكدون أن الحلول الأمنية وحدها لا تجدي، بل يجب معالجة الجذور الاقتصادية والسياسية التي تدفع الناس للهجرة .  

 

محاولات لنقل المهاجرين إلى دول بديلة  

أوروبا  

  • اتفاق إيطاليا وألبانيا لإنشاء مراكز استقبال خارج الحدود .

  • مقترحات من 15 دولة أوروبية لنقل المهاجرين إلى دول شريكة خارج الاتحاد .

  • مراجعة مفهوم "الدولة الثالثة الآمنة" لتسهيل الترحيل .

الولايات المتحدة  

  • برامج "البقاء في المكسيك" لطالبي اللجوء .

  • اتفاقات مع دول أمريكا اللاتينية لاستقبال المهاجرين مؤقتًا .

لكن هذه السياسات تواجه انتقادات قانونية وحقوقية، خاصة إذا كانت الدول البديلة لا تضمن حقوق الإنسان أو لا تملك بنية قانونية لمعالجة طلبات اللجوء .  

بدائل وحلول واقعية  

 

دور المنظمات الدولية والإقليمية  

الأمم المتحدة :  

من خلال منظمة الهجرة الدولية (IOM)  والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) ، تسعى لتقديم المساعدات الطارئة وإعادة توطين اللاجئين وتنظيم الهجرة الآمنة .

الاتحاد الأوروبي :  

اعتمد سياسة "الردع الخارجي" عبر اتفاقيات مع دول العبور مثل ليبيا وتونس وتركيا لوقف تدفقات المهاجرين مقابل دعم مالي .  
إلا أن هذه السياسة واجهت انتقادات حادة بسبب الانتهاكات التي تُرتكب في مراكز الاحتجاز بتلك الدول .

الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي :  

ما زال الدور العربي والإفريقي محدودًا في وضع استراتيجية جماعية لتنظيم الهجرة، رغم أهمية تنسيق الجهود الإقليمية في هذا المجال .

مكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر  

تشكل شبكات تهريب المهاجرين أحد أخطر أوجه الجريمة المنظمة العابرة للحدود .  
هذه الشبكات تستغل ضعف الرقابة في الدول الفقيرة وتعمل بأساليب معقدة تشمل :

  • تزوير الوثائق وجوازات السفر .

  • تهريب الأشخاص عبر مسارات صحراوية وبحرية خطرة .

  • استغلال المهاجرين في أعمال السخرة أو الدعارة .

وتُعد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (بروتوكول باليرمو) الأساس القانوني الدولي لمحاربة هذه الشبكات .  
لكن التنفيذ يظل ضعيفًا بسبب تفاوت قدرات الدول وضعف التنسيق الأمني .

بدائل وحلول قانونية وإنسانية  

لا يمكن لأي دولة أو منظمة أن توقف الهجرة غير النظامية تمامًا، لكن يمكن الحد منها عبر سياسات متوازنة تشمل :

تعزيز التنمية في دول المصدر :  
الاستثمار في التعليم وفرص العمل وتمويل المشاريع الصغيرة .

إطلاق برامج الهجرة القانونية المنظمة :  
مثل منح التأشيرات الموسمية أو تصاريح العمل المؤقتة .

تحسين التعاون الدولي والإقليمي :  
لتبادل المعلومات عن شبكات التهريب، وتنسيق عمليات الإعادة الطوعية .

إصلاح التشريعات الوطنية :  
بما يوازن بين الردع القانوني واحترام الحقوق الإنسانية .

رفع الوعي القانوني :  
عبر حملات إعلامية لتوعية الشباب بالمخاطر القانونية والإنسانية للهجرة غير النظامية .

 

التجربة العربية – بين التحديات والمسؤولية  

تواجه الدول العربية تحديات مزدوجة، فهي في بعض الحالات دول مصدر، وفي أخرى دول عبور أو استقبال .   
في شمال إفريقيا، تتحمل تونس والمغرب وليبيا عبئًا متزايدًا نتيجة ضغط أوروبا لوقف المهاجرين .   
في الخليج العربي، تُطرح إشكالية العمالة غير النظامية التي تختلف طبيعتها عن الهجرة عبر البحر، لكنها تظل في إطار المخالفة القانونية للإقامة والعمل .  

من المهم أن تتبنى الدول العربية سياسات متكاملة للهجرة ترتكز على :  

  • حماية حقوق المهاجرين النظاميين .

  • تنظيم سوق العمل .

  • محاربة شبكات التهريب والاتجار بالبشر .

  • تطوير تشريعات وطنية تتماشى مع الاتفاقيات الدولية .

 

محاربة الهجرة غير الشرعية: الحلول الأمنية وحدها لا تكفي  

تتخذ الدول الأوروبية والأمريكية إجراءات صارمة للحد من تدفق المهاجرين، مثل :  

  • تشديد الرقابة على الحدود .

  • إنشاء مراكز احتجاز وترحيل .

  • توقيع اتفاقيات مع دول العبور مثل ليبيا وتونس وتركيا .

لكن الخبراء يؤكدون أن الحلول الأمنية وحدها لا تجدي، بل يجب معالجة الجذور الاقتصادية والسياسية التي تدفع الناس للهجرة .  

هل هناك أمل في وقف الهجرة غير الشرعية؟  

نعم، هناك أمل نسبي، لكن النجاح الكامل يظل رهينًا بشروط معقدة، تعزيز الرقابة الحدودية والتقنيات الحديثة، الاتفاقيات الثنائية مع دول المصدر، حملات التوعية المحلية،  إصلاح قوانين اللجوء والهجرة .  

 

image-268.jpeg

 

 

التحديات  

ولكن تظل التحديات ماثلة  ومنها، أسباب جذرية مثل الفقر والبطالة والنزاعات، و  القيود القانونية الدولية، و شبكات التهريب العابرة للحدود .  

 

خاتمة   

بين الحق في الحياة والبحث عن العدالة  

ما دام البحر يُرى كطريق للنجاة، ستظل الهجرة غير الشرعية قائمة. لكن القانون الدولي، والضمير الإنساني، يفرضان علينا أن نواجه هذه الظاهرة ليس بالقمع، بل بالوعي، والتنمية، والعدالة الهجرة ليست جريمة، بل صرخة إنسانية، وعلى العالم أن يصغي لها قبل أن تتحول إلى مأساة جديدة كل يوم، النجاح لا يتحقق فقط عبر الحواجز والاتفاقات، بل عبر معالجة الأسباب من الجذور: التنمية، العدالة، التعليم، وفرص العمل. الدول تستطيع أن تحدّ من الظاهرة، لكنها لن تقضي عليها تمامًا ما لم يكن هناك تحرك عالمي شامل يوازن بين الأمن والإنسانية .  

الهجرة غير الشرعية ليست مجرد جريمة قانونية، بل صرخة من أعماق المعاناة الإنسانية،  إنها تذكير بأن العدالة الاقتصادية والاجتماعية جزء لا يتجزأ من العدالة القانونية، وأن الحل الحقيقي يبدأ من خلق بيئة تمنح الإنسان حقه في العمل والكرامة داخل وطنه، لا في المجهول خلف الحدود،  وهي  ليست مجرد تحدٍ أمني أو قانوني، بل تعبير عن خلل عالمي في توزيع الفرص والثروات .   
و القانون وحده لا يكفي، كما أن القوة وحدها لا تردع من يهرب من الجوع والموت .   
الحلُ الحقيقي يبدأ من إعادة بناء العدالة الاجتماعية والاقتصادية داخل الدول، وإيجاد منظومات قانونية توازن بين السيادة الوطنية والمسؤولية الإنسانية .  

إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب شجاعة سياسية وإرادة قانونية دولية تضع الإنسان في صميم أي سياسة للهجرة، لأن الحق في الحياة الكريمة هو أساس كل قانون، وبدونه تظل الهجرة غير الشرعية مستمرة مهما ارتفعت الجدران وتشددت الحدود .  

 

 

 

 

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان