*زيارة إلى دار الدكتور مبارك الحسن: لمة سودانية في قلب الصين*
قوانزو الصين - كتب المهندس إبراهيم الأمين خلف الله
أمس، كان يومًا مختلفًا عن سائر الأيام.. يومٌ مشبعٌ بالذكريات، وكأنني عدت لتوّي إلى قلب السودان، إلى دفء أصدقائي، إلى بيئةٍ لم أكن أظن أنني سأجدها في تلك البقعة النائية من العالم. كان يومًا مليئًا بالأصوات المألوفة، والضحكات التي تعكس جمال الروح السودانية أينما حلّت. كان يومًا خاصًا، جمعت فيه الأقدار شمل أصدقاء من أماكن متفرقة حول العالم في قلب الصين، حيث استقرّ الدكتور مبارك الحسن في دارٍ جديدة في حيٍّ جديد، بعد أن عاد من السودان مع عائلته، ليبدأ فصلًا جديدًا من حياته في هذا المكان الغريب عن وطنه الأصلي، لكنّه لا يبدو غريبًا عندما تطرق أبواب قلبه.
*مبارك الحسن: الإنسان الذي يجمع بين السودان والصين في طيف واحد*
من قرية الفوار في الجزيرة، حيث الزرع والحصاد، حيث الرياح التي تهبّ من النيل العميق، جاء الدكتور مبارك الحسن إلى الصين قبل قرابة العشرين عامًا. لم يكن مجرد مغترب يسعى وراء لقمة العيش، بل كان سفيرًا للفكر، وحاملًا لروح السودان الأصيلة. وصل إلى الصين، وحمل معه شيئًا من تربة الفوار، شيء من دفء الأسرة التي تربى فيها، من أدب أهل الجزيرة وكرمهم. أسّس هناك حياة جديدة، متزوجًا من السيدة الصينية نانسي، التي أصبحت زوجةً وابنةً للسودان بفضل تعلمها لغة الضيافة السودانية بكل حرف، وحبها لما جاء به زوجها من تراثٍ جميل.
لقد أسّس الدكتور مبارك عائلةً سودانية في قلب الصين، ورغم المسافات الشاسعة التي تفصل بينهما وبين السودان، إلا أن أولاده - روى، محمد، آلاء، ومزدلفة كانوا يحملون في عيونهم بريقًا يشبه بريق أولادنا في الجزيرة أو الخرطوم. تربوا على النقاء، على القيم السودانية الأصيلة، والتي جعلت منهم شخصيات متميزة، تحترم وتقدّر الآخرين، وتزرع البسمة أينما حلّت.
*الكرم السوداني… في قلب الصين*
في منزل الدكتور مبارك، لا تحسّ بالغربة أبدًا. هناك، في حيّه الجديد بمدينة قوانزو الصينية، يصبح الجو كما لو أنه في أحد أحياء السودان الهادئة. كان ما يميز تلك الزيارة هو الكرم، الكرم الذي لا يمكن وصفه بالكلمات، ولكنه يشعر به القلب قبل العين. فالدكتور مبارك وزوجته نانسي لا يكتفيان فقط بتقديم الطعام، بل يُقدمان لنا تجربة جديدة، مزيجًا من المأكولات السودانية الأصيلة والأطعمة الصينية المميزة التي تجيدها نانسي بإتقان شديد. كانت السفرة تعكس تنوع الثقافات والتقاليد، مما يجعلنا نسرح في ذهننا وكأننا في بيت سوداني في الجريف شرق أو في الخرطوم، لكننا فعلاً في قلب الصين.
نانسي، الزوجة الصينية التي تعلّمت من زوجها الكرم، كانت تطبخ لنا البامية السودانية الشهية، بينما كانت الأسماك الصينية الطازجة والجوزاء الصيني تزيد الطعم روعة. أحيانًا كنا ننسى أننا في الصين ونشعر وكأننا في منزل من بيوتنا في السودان. الكرم الذي يتدفق من تلك السفرة لا يمكن أن تجده بسهولة في أي مكان آخر. فمبارك ونانسي لا يقدمان الطعام فحسب، بل يقدمون لك من قلوبهم دفءً وحبًا، ما يعجز عن التعبير عنه أي لسان.
*حكاوي السودان وذكريات كرة القدم*
أما عن الحكايات التي كانت تملأ الأجواء، فقد كانت جزءًا لا يتجزأ من تلك اللمة الجميلة. الدكتور مبارك، الذي لا يختلف اثنان على موهبته الرياضية، كان يشاركنا ذكرياته عن أيامه كلاعب كرة قدم مميز. لا يمكن أن تذكره دون أن تذكره في قلب الملعب، حيث كان بمثابة “الجوكر” الذي يُجيد اللعب في كل المراكز. تحدثنا عن الذكريات الجميلة في كرة القدم السودانية، عن الأوقات التي قضيناها نشاهد المباريات، وأجمل لحظات التراشق بالذكريات.
ومن بين الأحاديث التي أضاءت تلك الجلسة، كان الحديث عن فوز الهلال الأخير في بطولة دوري أبطال أفريقيا في كيغالي عاصمة رواندا. وكيف راوغ لاعب الهلال جان كلود لاعب مولودية الجزائر اول امس، وتلك اللحظة التي أضاءت فيها آمال جماهير الهلال بفوزٍ طال انتظاره. تلك الذكريات التي تجمع بين القلوب، وتبث فيها روح الأمل والتفاؤل.
الحرب وأثرها على الحياة
لكن الحديث لم يكن كله عن ذكريات كرة القدم والطعام، فقد كان لنا نصيب من الحديث عن الحرب، عن آلامها، وذكرياتها التي لا تموت. في تلك الجلسة، بين صحبة الأصدقاء محمد حمدان، معتصم، وعباس—كان الحوار يدور حول الأيام الصعبة التي عاشها العالم خلال جائحة كورونا. كيف تفرّق الأصدقاء، وكيف قرر البعض العودة إلى السودان، بينما اختار آخرون العودة إلى دول أخرى، لكن الدكتور مبارك عاد إلى وطنه في السودان، حيث عاش لحظات جميلة مع أسرته وأبناءه الذين أحبوا السودان بقدر ما أحبوه. تحدثنا عن ذلك الوقت الذي تغيرت فيه الحياة، ولكننا كنا ندرك أن الروابط الحقيقية لا تنكسر، مهما تفرّقنا.
*اللمة السودانية في قلب الصين*
كانت تلك اللمة أمسٍ من أجمل اللحظات التي يمكن أن تمرّ على الإنسان. تلك اللحظات التي تجمع الأصدقاء والعائلة في مكان واحد، وتحمل في طياتها كل ما هو جميل في الحياة: الضحك، والذكريات، والطعام، والحديث الذي لا ينتهي. كان وجودنا في دار الدكتور مبارك وكأننا في السودان، في مكاننا الذي لا نعرفه إلا عندما نغادره، ثم نعود إليه عبر الذكريات والأماكن التي جعلت منا جزءًا من هذا الوطن الجميل.
أمس كان يومًا لا يُنسى، مليئًا بالحكايات الجميلة، بأصوات الضحكات، وعبق الأطعمة التي لا تشبع الروح فقط، بل تشبع الذاكرة بكل ما هو جميل. كانت زيارة إلى بيت الدكتور مبارك في حيّه الجديد في قوانزو بمثابة عودة إلى الوطن، وبمثابة لمّة سودانية حقيقية في قلب الصين، أثبتت أن المسافات يمكن أن تكون فقط خطوطًا على خريطة، لكنها لا تفرّق بين القلوب الطيبة.
إبراهيم الامين خلف الله
مدينة قوانزو