مدرسة الخرطوم الثانوية القديمة.. بين جسرين قديمين  

كتب- المهندس ابراهيم الأمين خلف الله بخيت  

قوانزو- الصين   

image-767.jpeg

بين جسرين قديمين، وعلى ضفاف النيل الذي لا يشيخ، كان موطنها الخالد .  

لم تعرف لها مكانًا سواه، ولم تسكن غيره، إلا في قلوب أبنائها الأوفياء الذين ما زالوا يحملون صورتها كما تُحمل الأم في القلب، مهما ابتعدت المسافات وتغيّرت الأزمنة .  

 

سيدة جاوز عمرها ما عاد يعرفه إلا القليل من أبنائها .  

كبرت، وهرمت، وانفضّ من حولها الجمع، فهجرها الجميع وتركُوها وحيدة تقاسي تقلبات الدهر وقسوة البشر .  

منهم من يزورها مرة كل عام بدافع الحنين، ومنهم من يمر بها مرة كل شهر مصادفة، ومنهم من يعبر بجوارها كل يوم ولا يفكر حتى أن يُلقي عليها التحية، كأنها لم تكن يومًا أمًّا، ولا بيتًا، ولا ذاكرة .  

 

ومع ذلك… كيف تُنسى أمٌّ كهذه؟  

 

لن أنسى صباحاتها أبدًا .  

ذلك الصباح الذي كنا نأتي فيه على متن بص الجريف، أنا وصديقي العزيز نادر صلاح، نحمل أحلامنا الصغيرة وحقائبنا الثقيلة، ونسبق الزمن لنشتري اللقيمات الساخنة ونشرب شاي الحليب قبل الطابور، وكأنها طقوس لا يكتمل اليوم بدونها .  

 

ولن أنسى فطور التدريب المهني؛  

فول سيوبر بزيت سمسم أصلي، بسيط في شكله، عميق في طعمه،  

وأحيانًا نقطع المسافة إلى مدرسة الخرطوم الصناعية جوار الوزارة لنأكل فتة العدس بالجبنة المبشّرة، فطورًا متواضعًا في مكوناته، عظيمًا في أثره .  

 

ولا أنسى عصير العرديب البارد الذي كان يبيعه عم عبد الله تحت شجرة اللالوب جوار الوزارة،  

ذاك الطعم الذي ما زال يسكن الذاكرة، أقرب من كثير من الوجوه .  

 

ولن أنسى كرة القدم في فسحة الفطور،  

ضحكاتنا، صخبنا، وتنافسنا البريء الذي كان يصنع صداقات لا تهزمها السنين .  

image-769.jpeg

ولن أنسى الوجوه التي شكّلت أيامي :  

عبد العزيز الطاهر، مصطفى ميرغني، نادر صلاح، محمد عوض، فادي سالم، عبد الكريم محمد ، كمال ادم ، هشام يحي ، محمد السني ، رياض ، ابوبكر علي ، عبد الرحمن شمس الدين ، اشرف ، محمد موسى ، أولاد أم دوم، وأولاد الحاج يوسف، اولاد كترانج     

اختلاف الأمكنة جمعنا، ووحّدتنا المدرسة، فصرنا إخوة قبل أن نفهم معنى الأخوّة .  

 

ولن أنسى الصول باجور وجلده وعقابه للمتأخرين عن الطابور،  

ذلك الخوف الصباحي الذي كان جزءًا من الانضباط، وجزءًا من التربية التي لم نفهم قسوتها وقتها، وأدركنا قيمتها لاحقًا .  

 

أما أساتذتنا، فكانوا حكاية أخرى، لا تُنسى ولا تُختصر .  

لم يكونوا مجرد معلمين يؤدون واجبًا، بل عقولًا استثنائية، يمتلكون قدرة نادرة على الفهم العميق وتوصيل المعلومة كما لو كانت جزءًا من الفطرة .  

image-770.jpeg

كان الأستاذ بخاري في الرياضيات ظاهرة لا تُفسَّر؛  

يضرب الأرقام ويقسمها ويعالج المسائل المعقدة بسرعة ودقة، وكأن في رأسه آلة حاسبة لا تخطئ،  

فنتعلم الحساب معه كما نتعلم لغة الأم .  

 

أما الأستاذ مهدي، فكانت للكيمياء معه هيبة .  

يُخيف المحاليل، ويرعب الكيمياء العضوية، ويتحكم في المولارية كما يتحكم القائد في جنوده،  

فتستسلم المعادلات، ويترسخ الفهم قبل الحفظ .  

 

ومع الأستاذ قسم السيد، أصبحت الأحياء حياةً حقيقية .  

شرحٌ دقيق، وعلمٌ راسخ، يجعل الخلية كائنًا نابضًا لا رسمة صامتة على السبورة .  

 

وفي الجغرافيا، كان الأستاذ محمد الفاتح رحلةً مفتوحة؛  

يتحدث عن البحار وكأنه أبحر فيها، وعن الجبال كأنه عاش بين قممها،  

فنتعلم العالم لا الخرائط فقط .  

 

أما الأستاذ أبو بكر، فعندما يحكي عن تاريخ أوروبا، تشعر وكأنه شاهد العصر .  

ينقلك بين الحروب والثورات والملوك،  

فتفهم الأسباب قبل التواريخ، والإنسان قبل الحدث .  

 

وحين يتحدث الأستاذ خضر باللغة الفرنسية،  

تحسبه وُلد في باريس أو ليون؛  

نطقٌ سليم، وثقافة حاضرة، تجعل اللغة قريبة من اللسان والقلب .  

 

ويأتي الأستاذ عوض الجيد،  

فإذا بالبلاغة والأدب يتحولان إلى شعر حي .  

كان يشرح النص وكأنه شاعر، أو عربيٌّ عايش إيليا أبو ماضي وأبا فراس الحمداني، يأخذنا إلى عمق الصورة، وجمال المعنى، وموسيقى الكلمة،  

فنحب العربية لا لأنها مادة، بل لأنها روح .  

 

خرج من بين جدرانك الوزير والسفير، والطبيب والمهندس، والطيار ورجل الأعمال، بل وحتى الرئيس،  

ومع ذلك، لم تجدي من يؤنس وحشتك، أو يربت على كتفك، أو يبرّ بكِ كما بررتِ بهم .  

 

أنتِ اليوم لا ميتة فنرثيك، ولا حيّة فنحتضنك .  

أصبحتِ ذاكرةً تُداس دون قصد، وحنينًا يسكن الصدور بصمت .  

ومع كل ما لحق بكِ من إهمال وغدر، حتى من أقرب الناس إليك، رفضتِ أن تشهري أصابع الاتهام، ورفضتِ أن تذكّريهم بفضلك، وبقيتِ شامخة، رمزًا للأمومة الحقة، والعطاء الصامت الذي يشبه النيل الذي جاورتِه قرابة قرن من الزمان .  

 

أنجبتِ قاتلك، ومن ذات الرحم خرج القاضي .  

أرضعتِ فمًا سكت عن الشهادة،  

وبدل أن تخطي بدمائك اسم الجاني، كتبتِ أسماءهم على صفحة المجد .  

 

فلكِ الرحمة أيتها المدفونة تحت الأسفلت القاسي الداكن،  

ولكِ الرحمة وأنتِ حيّة في قلوب من أحبوك بصدق  

مثلي .  

image-768.jpeg

 

لكِ الرحمة أمي،  

مدرسة الخرطوم القديمة .  

 

ابنك البار  

إبراهيم الأمين خلف الله بخيت  

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان