زيارة ولي العهد إلى أمريكا ومآلاتها وانعكاساتها على الراهن السوداني

الاستاذ – فؤاد يوسف كدو

image-147.jpeg

 

تأتي زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة دولية وإقليمية بالغة التعقيد، وفي ظل تحولات سياسية واقتصادية وأمنية متسارعة تجعل لهذه الزيارة ثِقلاً خاصًا يتجاوز الطابع البروتوكولي إلى التأثير المباشر على خرائط التوازنات في الشرق الأوسط وأفريقيا على حد سواء. وتكتسب هذه الزيارة أهمية إضافية بالنظر إلى الراهن السوداني، الذي يمرّ بواحدة من أكثر مراحله حساسية منذ استقلال البلاد، سواء على مستوى الصراع الداخلي أو التحولات الإقليمية التي تنعكس بوضوح على مستقبل الدولة السودانية .

أول ما يلفت النظر أن المملكة العربية السعودية أصبحت خلال السنوات الأخيرة لاعبًا مركزيًا في الملفات الإقليمية، ليس فقط بحكم ثقلها الاقتصادي والسياسي، بل أيضًا نتيجة لما تبنّته من سياسة خارجية أكثر نشاطًا ومرونة، أساسها الشراكات الاستراتيجية وتنويع خيارات التحالفات. وفي هذا الإطار، تُعد زيارة ولي العهد إلى واشنطن جزءًا من جهود إعادة صياغة العلاقات السعودية–الأمريكية على أسس أكثر توازنًا، تُراعي المصالح المتبادلة وتفتح الطريق أمام تعاون أعمق في ملفات الطاقة والأمن والتكنولوجيا والدفاع .

انعكاسات الزيارة على الملف السوداني

السودان حاضر ضمن الاهتمامات السعودية منذ سنوات، وقد تعزز هذا الحضور بعد اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع. فالمملكة، إلى جانب الولايات المتحدة، قادتا مسار مفاوضات جدة بهدف وقف إطلاق النار واستعادة العملية السياسية. ومن الطبيعي أن تكون الأزمة السودانية أحد الملفات المطروحة في لقاءات ولي العهد بالمسؤولين الأمريكيين، سواء من زاوية استقرار البحر الأحمر أو من زاوية المخاطر الإنسانية التي تهدد المنطقة بأكملها .

ومن المتوقع أن تفتح الزيارة بابًا جديدًا لتنسيق أعمق بين الرياض وواشنطن بشأن السودان، يقوم على ثلاثة مسارات أساسية :

  1. المسارالسياسي : 
    يمكن للزيارة أن تُعيد الزخم لمسار مفاوضات جدة عبر تقوية الشراكة الأمريكية–السعودية في ممارسة ضغط متوازن على أطراف النزاع، بما يسهم في إعادة الأطراف إلى طاولة الحوار وبلورة تفاهمات أولية لوقف إطلاق النار الدائم. كما أن التفاهمات السعودية–الأمريكية قد تُعيد هندسة العملية السياسية بحيث تُصبح أكثر شمولًا، مع إشراك القوى المدنية بشكل منظم، ومن دون السماح بانزلاق السودان نحو التقسيم أو الاستقطاب الإقليمي .

  2. المسار الأمني والاستراتيجي:

يُعد استقرار السودان جزءًا من أمن البحر الأحمر، وهو منطقة حيوية للملكة والولايات المتحدة على حد سواء. لذلك يُرجح أن تؤدي الزيارة إلى تفعيل تعاون أمني أكبر بشأن منع تدفق السلاح للأطراف المتحاربة، وشبد الحدود، ومنع تحوًل السودان إلى ساحة نفوذ لقوى دولية متنافسة قد تربك التوازن في الإقليم. كما يمكن أن تُسهم الزيارة في دعم الجهود الإنسانية عبر توفير ممرات آمنة وتنسيق الإغاثة.

  1. المسار الإقتصادي وإعادة الإعمار


    لدى السعودية رؤية واضحة لضرورة استقرار السودان اقتصاديًا، إذ يمثل البلد موردًا زراعيًا ضخمًا وشريكًا محتملًا في مشاريع الأمن الغذائي الإقليمي. ويمكن أن تُفضي الزيارة إلى تفاهمات مع واشنطن بشأن آليات دعم الاقتصاد السوداني بعد وقف الحرب، سواء عبر صندوق دولي لإعادة الإعمار، أو عبر مبادرات استثمارية سعودية تُشرف عليها مؤسسات اقتصادية أمريكية ودولية لضمان الشفافية .

الأثر على الراهن السوداني

قد لا تكون انعكاسات الزيارة على الواقع السوداني آنية، لكنها بالتأكيد ذات أثر تراكمي. فإعادة الدفء للعلاقات السعودية–الأمريكية تعني عمليًا تنسيقًا أكبر في الملفات الساخنة، والسودان اليوم من أكثرها أهمية. كما أن أي تقارب سعودي–أمريكي يحدّ من تشرذم المواقف الدولية تجاه النزاع، ويخلق مظلة دعم مشتركة تمكّن السودان من الخروج من حالة الانهيار .

على المستوى الداخلي، قد تُسهم الزيارة في تقوية خطاب الحل السياسي مقابل خيار الحسم العسكري، عبر رسالة غير مباشرة لأطراف النزاع بأن المجتمع الدولي والإقليمي يتجه نحو مقاربة جديدة أكثر جدية وصرامة. أما على المستوى الإقليمي، فستمنح الزيارة السعودية قدرة أكبر على التأثير في مسار الأحداث بالسودان، باعتبارها الجهة الأكثر قبولًا لدى الأطراف المحلية مقارنةً بفاعلين دوليين آخرين .

إذا هبت رياحك فاغتنمها

وفي هذا السياق، تبدو زيارة ولي العهد إلى الولايات المتحدة فرصة نادرة ينبغي لطرفي النزاع في السودان التقاطها وعدم التفريط فيها. فالتقارب السعودي–الأمريكي بشأن الملف السوداني يخلق نافذة جديدة قد لا تتكرر، ويهيئ بيئة دولية مساندة لحل حقيقي إذا توفرت الإرادة من الفاعلين المحليين. وهنا تبرز أهمية تحكيم صوت العقل، والإدراك بأن استمرار الحرب لن يجلب لأي طرف انتصارًا كاملًا، بل يهدد بتفكيك البلاد وتقويض ما تبقى من مؤسساتها. إن مصلحة السودان تقتضي أن يضع الطرفان حسابات السلاح جانبًا، وأن يتعاملوا بجدية مع أي مبادرة تُعيد للدولة السودانية وحدتها واستقرارها، فهذه اللحظة قد تكون آخر فرصة قبل انزلاق الأوضاع إلى مستويات أكثر خطورة .

خاتمة

إن زيارة ولي العهد إلى الولايات المتحدة ليست حدثًا عابرًا، بل محطة استراتيجية ستلقي بظلالها على العديد من الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها السودان. وإذا ما أُحسن استثمار التفاهمات الثنائية بين الرياض وواشنطن، فقد تشكل هذه الزيارة بداية مسارٍ جديد يعيد للسودان توازنه المفقود ويفتح الطريق نحو تسوية سياسية تُنهي الحرب وتعيد للدولة مؤسساتها واستقرارها .

إن السودان اليوم أمام لحظة تاريخية، وقد تكون هذه الزيارة أحد مفاتيح عبورِه إلى مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا .

 

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان