image-1602.jpeg

 

منظمة الدعوة الإسلامية ...  

من غرفة في السوق العربي إلى عمق أفريقيا: تاريخ لا يُنكر  

image-1600.jpeg

بقلم- الدكتور  رمضان أحمد  

 

تمر منظمة الدعوة الإسلامية في هذه الأيام بمرحلة عصيبة من تاريخها، بعد رحلة عطاء سخية امتدت لأكثر من أربعة عقود. وشهد على ذلك آلاف العلماء والإداريين والمهنيين، بل وكبار رجال الدولة في بلدانهم الذين كانوا ثمرة مباشرة لهذا العطاء، ناهيك عن الخدمات الصحية والإغاثية والاجتماعية التي قدمتها المنظمة بملايين الدولارات، واستفاد منها الناس في أحلك الظروف .  

ونظراً للظروف الراهنة التي تمر بها المنظمة، يميل الناس إلى التركيز على ما هو ماثل أمامهم، ويتناسون أمجاد الماضي وتضحياته. لذا، رأيت أن أخصص هذا المقال لأبرز القامات التي أسست المنظمة، وما بذلوه من جهد ووقت ومال وإخلاص، لتمكينها من تحقيق "المعجزة" في أفريقيا، إن صح التعبير .  

نشأت منظمة الدعوة الإسلامية عام 1983 على أرض صلبة من الإيمان العميق بالهدف، ونكران الذات، والعطاء المجرد غير المحدود، فلا غرو أن يعم خيرها أرجاء أفريقيا كلها. هناك نماذج لا تُحصى لأناس لم يَحلموا يوماً في حياتهم إلا بالشقاء والعوز، لكنهم الآن، بفضل الله أولاً، ثم بفضل منظمة الدعوة الإسلامية ثانياً، يتبوؤون أرفع المناصب في بلدانهم. بيد أن المنظمة أصابها لاحقاً ما أصاب السودان من داء السياسة، فاختلط الحابل بالنابل، وضاعت الرسالة، وحضر الصراع، وألقى كل هذا بظلاله على تاريخ ناصع مليء بالتجرد والعطاء .  

image-1598.jpeg

 

image-1599.jpeg

 

تأسست المنظمة على ثلاثة أعمدة ثابتة راسخة: أولهم الأستاذ الشيخ/مبارك قسَم الله زايد - رحمه الله - وهو المؤسس الذي أنشأ المنظمة في غرفة صغيرة بالسوق العربي، وثانيهم الدكتور الأمين محمد عثمان - نسأل الله له الشفاء العاجل - وثالثهم الشهيد عبد السلام سليمان. وقد شرفني الله بأن أكون سكرتيراً في المكتب التنفيذي للمنظمة لبعض الوقت، حيث كنت أرتب اجتماعات الأمانة العامة والمكتب التنفيذي، وأكتب المحاضر، وأصوغ القرارات. كانت تلك الفترة خير فترة في حياتي على الإطلاق، إذ كنت في حضرة هذا الثلاثي الماسي، أتعلم منهم قيماً إدارية نادرة، وأخلاقيات مهنية راقية، ونماذج من التفاني والتعلق بالعمل قلما توجد. كنت أراقب تعامل هؤلاء الثلاثة فيما بينهم، ومع موظفيهم. كان الدكتور الأمين وعبد السلام سليمان يعاملان مبارك قسَم الله معاملة التلاميذ لشيخهم، وكان عبد السلام يحرص دائماً على ألا يتجاوز الدكتور الأمين في أي أمر، ويكنّ له احترام الأخ الأكبر .  

كنت أصدر دورية باللغة الإنجليزية تُسمى "Volunteer" ، وكان يشرف عليها الدكتور الأمين بنفسه رغم منصبه كأمين عام. وبما أن عبد السلام كان خبيراً في اللغة الإنجليزية، كان يحرص على أن تكون للدكتور الأمين الكلمة النهائية في المراجعة. بفضل هذا التناغم ووحدة الهدف، كانت اجتماعات المنظمة تجري بسلاسة، ولم أشهد خلافاً على الإطلاق في أي جزئية، سواء على مستوى المكتب التنفيذي أو الأمانة العامة، وهو ما انعكس إيجاباً على أداء البعثات والمكاتب. فكان مديرو المكاتب والبعثات يديرون أعمالهم كما لو كانت ملكاً لهم، يبذلون فيها جهداً خارقاً، لا يعرفون فيها إجازات سنوية أو علاوات .  

كان الشهيد عبد السلام يصرفنا الساعة السابعة مساءً ويقول: "امشوا لأهلكم"، ثم يبقى هو في مكتبه حتى منتصف الليل، يتصل برؤساء البعثات والمكاتب، ويقدم لهم تقارير عن أحوال عائلاتهم، بما في ذلك الدارسين في المدارس، إذ كان يتفقد أحوالهم ويعرفهم فرداً فرداً. تخيل أن تكون مسؤولاً في بعثة بالخارج، فيتصل بك مسؤولك الأعلى ليطلعك على أخبار أسرتك فرداً فرداً! لقد تجاوزت المسألة كونها مجرد وظيفة تشغلها، بل أصبحت مهمة رسالية تقوم عليها وشراكة، وأنت مساءل عنها أمام الله. وكان هذا هو الفهم السائد لدى موظفي المنظمة: أنه داعية، لا مجرد موظف يتقاضى راتباً. لذلك، لم يكن العمل في منظمة الدعوة الإسلامية مرتبطاً بساعات دوام محددة، بل كان "الموظفون" يعملون حتى الليل وفي أيام العطل الرسمية، دون أي أجر إضافي أو مكاسب مادية .  

كان الشهيد عبد السلام يخرج ليلاً ومعه سكرتيره الخاص، الأخ حاتم عبد الفتاح (الموجود حالياً في الولايات المتحدة)، ليطوفا على المتعففين الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، فيوزع عليهم ما شاء الله من المال. وكان هذا برنامجاً ثابتاً، أعتقد مرة كل أسبوع أو أسبوعين. كما كان الشهيد عبد السلام يولي اهتماماً خاصاً بطلبة جامعة أفريقيا العالمية، وأذكر أن قيادات منهم كانت تأتينا إلى المكتب في الفترات المسائية، وكان يستقبلهم بحفاوة كما لو كانوا مسؤولين في بلدانهم. وقد شرفني الله بلقاء بعضهم في بلادهم، فحدثوني عن مواقف نبيلة لا يتسع المجال لذكرها. ويبدو أن الشهيد كان يبني للمستقبل، وكان يدري أنه لن يدرك زمانهم، ولكن شأن المسلم أن يغرس الغرسة ولو كان في سكرات الموت .  

أما الدكتور الأمين محمد عثمان، فكان رجلاً فريداً في ورعه وزهده وحبه للمنظمة. كانت علاقته بسلاطين جنوب السودان فريدة، إذ كان يعرفهم فرداً فرداً وعددهم قرابة الثلاثمائة، وكان يجتمع بهم في مواقعهم ويوزع عليهم المعونات، وكانت بينهم مودة خاصة. لم يعتمد الدكتور الأمين على مرتب المنظمة، بل كان يمولها من ماله الخاص، ولا يتقاضى أي مصروفات في أسفاره. كان يتسم بالحكمة والعلم وحب المساكين .  

وأما مبارك قسَم الله، المؤسس، فالكلام عنه له شجون. كان رجلاً زاهداً، وتكفي واقعتان لتصوير هذا الزهد. الأولى: حدث أن وشى أحدهم إلى مجلس الأمناء بأن مبارك قسَم الله يمتلك بيتاً فخماً اشتراه من مال المنظمة. فجاء وفد من الخليج للتحقق من هذا "البيت الفخم"، وطلبوا منه أن يزورهم في بيته، فقبل على مضض لأن البيت لم يكن مهيئاً لاستقبال كبار الزوار. فلما رأوا البيت، بكوا جميعاً، ثم صارحوه بحقيقة زيارتهم. والواقعة الثانية: حكى الشيخ الصادق عبد الله عبد الماجد - وكنت حاضراً بعد اجتماع للأمانة العامة بحضور الشيخ شادول والشيخ الصادق الكاروري والأمين محمد عثمان والشهيد عبد السلام ومولانا حاج نور ومحمد سنادة وآخرين لم تحفظهم الذاكرة - أن الشيخ الكاروري وشادول ومبارك قسَم الله ذهبوا إلى الخليج لجمع التبرعات للمنظمة. وكانت الإدارة المالية قد أعطتهم مبالغ نثرية. فلما انتهت الزيارة ووصلوا إلى جدة استعداداً للعودة إلى السودان، ذهبوا إلى سوق جدة لشراء بعض الهدايا لأسرهم. وعندما عادوا إلى المنظمة، تبين أن مبارك قسَم الله أعاد ما تبقى من مبالغ النثريات إلى إدارة الحسابات. فقال الشيخ الصادق: "شعرنا بحرج شديد". بفضل هذا الزهد، تمتع مبارك قسَم الله بهيبة في قلوب شيوخ الخليج، حيث كانوا يستقبلونه عند المداخل الخارجية ولا ينتظرونه ليدخل عليهم في مكاتبهم، ولم يترددوا في دعم مشاريع المنظمة، بل كان يطلب من بعضهم الانتظار حتى إنجاز المشاريع القائمة .  

هذه هي القامات التي تأسست عليها منظمة الدعوة الإسلامية، كانوا على قدر عظيم من التجرد والنزاهة، لم يعرفوا اختلافاً ولا تنازعاً، بل جردوا أنفسهم ونكروا ذاتهم، فكان الفتح على أيديهم، إذ توسعت المنظمة في كل أرجاء القارة السمراء، وعم خيرها القرى والمدن .  

أما عن نتائج عمل المنظمة في أفريقيا، فيكفي أن نقارن أوضاع العديد من الدول الأفريقية اليوم بما كانت عليه قبل عقدين أو ثلاثة عقود. قبل ثلاثة عقود، كانت الكنيسة مسيطرة على التعليم، وكان التنصير شرطاً للالتحاق بالمدارس. ونتيجة لذلك، رفض المسلمون إدخال أبنائهم إلى المدارس الحكومية التي كانت تخضع لسيطرة الكنيسة. ثم جاءت منظمة الدعوة الإسلامية، وتلتها لجنة مسلمي أفريقيا ومنظمات أخرى، لتؤسس المدارس الإسلامية التي تدرس المنهج الحكومي وتحافظ في الوقت نفسه على الهوية الإسلامية. ثم أُرسل الطلاب الناجحون في بعثات تعليمية إلى الجامعات الخارجية. وبمرور الوقت، تأهل هؤلاء وأصبحوا جزءاً من الخدمة المدنية، فأسهموا بشكل مباشر في إزالة الحواجز التي كانت توضع أمام المسلمين. نجد المسلمين اليوم في أفضل وضع اقتصادي واجتماعي، فضلاً عن انتشار الحجاب الإسلامي حتى في القنوات التلفزيونية الرسمية، ناهيك عن أن الشاب المسلم اليوم يتبوأ مواقع قيادية image-1597.jpeg في بلاده ويساهم في نهضتها .  

 

منظمة الدعوة الإسلامية أرست ثقافة جديدة في مفهوم الدعوة في أفريقيا، بحيث أن الداعية ليست وظيفة، وإنما صفة يتصف بها الطبيب والأستاذ والمهندس والمحامي وكل صاحب مهنة، بحيث تنعكس هذه الصفة في سلوكه مع نفسه وفي علاقته مع الآخرين في إطار مهنته. وبهذا أزالت المنظمة ما يشبه الكهنوت وجسرت الفجوة التي كانت قائمة بين خريجي المدارس الدينية وبين رصفائهم من خرجي المدارس العصرية. فلم يعد هناك فارق بين إمام المسجد وبين الطبيب أو المحامي إذ أصبح الكل يحفظ من القرآن الكريم والعلوم الإسلامية ويمارس مهنته. كما أن المنظمة قدمت أنموجاً حياً للتعايش مع غير المسلمين حيث أنها لم تكتف بتقديم خدماتها لغير المسلمين فحسب، بل نسقت مع الشخصيات والمنظمات غير الإسلامية حتى اكتسب ثقة منظمات الأمم المتحدة. فكانت تنوب عن بعضها في تنفيذ بعض أنشطتها  

خلاصة القول، إن منظمة الدعوة الإسلامية أسسها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومن ينتظر وما بدلوا تبديلا. وما لانوا ولا استكانوا، بل كانوا أصلح وأصدق الدعاة من أبناء السودان، زهداً وورعاً وعزيمة. وبفضلهم، لعبت المنظمة دوراً كبيراً في النهوض بأوضاع المسلمين في أفريقيا، حتى أصبحت آثارها اليوم واضحة لكل من يزور البلاد الأفريقية. فلئن تعثرت المنظمة في حاضرها نتيجة عبث السياسة، فإن ذلك لا يمحو هذا التاريخ الناصع .  

هذه شهادة لله ممن شاهد وعاصر الأحداث عن كثب، حتى لا يندثر تاريخ منظمة الدعوة الإسلامية image-1601.jpeg بسبب ما يجري اليوم، فيُقال إنها لم تقدم شيئاً .  

يشارك: