قصة هداية اغرب من الخيال
رؤيه في غوا الهندية لهندوسي قادته إلى المسجد النبوي مسلما مهتديا
كتب الاستاذ ابراهيم القرعاوي

شامكاشنات هلنكر، أو "عبدالله الهندي" كما اعتدنا أن نسميه .
قبل خمسين عاماً في مدينة غوا بالهند، خلد شامكاشنات إلى النوم بعد أن أفرط في الشرب !
كان في منزله وحيداً، لم يعرف أمه أو أباه، وتقول المرأة التي أرضعته أنها تبنّته من قرية أخرى !
رأى "شامكاشنات" في منامه أنه داخل المسجد النبوي "الذي لم يعرفه قبلها ولم يزره قَط" وأنه بملابسه الداخلية فقط!! والناس في أبهى حللهم مشغولون بصلاة وقراءة اغريبة عليه؟!
ارتعد خوفا وعرف أنه ليس في مكانه الصحيح!، حاول البحث عن باب الخروج إلا أن المسجد كان بلا أبواب !!
سمع بعدها صوت المؤذن الذي يصفه بقوله: "لا يستطيع أحد لا في السعودية أو الهند أن يؤذن مثل ذاك الذي رأيته في منامي !"
انتهى المؤذن من أذانه واقترب من شامشاكنات قائلاً: هل ضللت الطريق؟ تعال أدلّك .
كان المؤذن كما قال، يرتدي ثيابا ناصعة البياض، وبالرغم من أن النور كان يُشِع منه إلا أن شامشاكنات لم يستطع رؤية وجهه !
صعدا سوياً إلى المئذنة التي فتحت لهما طريقاً تملؤه الأشجار والورود، مشى بسعادة قبل أن توقظه زوجته من منامه، ليصحو حائرا مما رأى !
تذكّر شامشكنات صديقه المسلم "علي"، لقد كان يتعبد بنفس الطريقة التي يتعبد بها أولئك القوم، خرج من بيته قاصدا منزل علي وأبلغه برؤياه .
بعد وصف دقيق للمكان قال علي: لقد كُنتَ في المسجد النبوي، يبدو أنك ستذهب إلى السعودية يا صديق !
تجاهل شامشاكنات تفسير صاحبه وهو يقول لنفسه: لماذا قد أترك قريتي وأذهب للسعودية؟ لا شيء هناك إطلاقاً!، كما أن ديانتي الهندوسية قد لا تتناسب مع أولئك الناس !
مضت أشهر قبل أن يصل مندوب إحدى الشركات اليونانية التي حصلت على مناقصة أحد المشاريع في المملكة إلى قرية شامكاشنات باحثا عن فنّيين في الكهرباء، وهي المهنة التي يتقنها هو ويحمل فيها شهادة أشبه بالدبلوم .
حزم أمره وتقدم للوظيفة، اجتاز الاختبارات ومرّ كل شيء بسرعة قبل أن يجد نفسه وحيداً في مدينة "ضبا" شمال غرب السعودية .
قضى في ضبا شهوراً قبل أن تتعطّل الكهرباء في أحد مساجد المدينة، تواصل حارس المسجد مع شامكاشنات الذي تعرّف عليه مسبقاً، حضر وأصلح العطل بدقة ومهارة عالية، سأله مؤذن المسجد: بكم؟ رفع يديه مشيراً بأنه لا يريد سوى الدعاء !!
وجد مؤذن المسجد فيه نواةً جيدة، فدعاه للإسلام ولم يفكّر كثيراً، فديانته الهندوسية اكتسبها بحكم البيئة لا أكثر !
بعد الإسلام غضِب الهندوس والمسيحيون من أبناء جاليته الذين يعملون معه في ذات المشروع، استغلّوا وجوده يوماً في موقع انشائي فحملوا الرمال بـ"شيول" ثم ألقوها عليه، في محاولة لدفنه حياً وتغطية الأمر وكأنه حادث عمل !
ولكن كان قدره أن يعيش .
انتقل إلى جدة ثمّ زار المسجد الحرام في رمضان، وبينما كان جالساً يقرأ القرآن ناداه الرجل الذي بجواره قائلاً :
- السلام عليكم، من أين أنت؟
لم يكن يفهم العربية جيداً، كانت معه ورقة كتبها له أحد أصدقائه السعوديين فيها قصته بالعربية .
أخبره "إبراهيم" أن قراءته فيها الكثير من الغلط واللحن، وبدأ بتصحيح تلاوته للقرآن قبل أن يقول له: نحن موجودون هنا طوال شهر رمضان، تستطيع القدوم كل يوم لأصحح تلاوتك .
أصبح يزور هذا الرجل يومياً في مكانه بالحرم المكي، يتناول إفطاره معه ومع أبنائه ويصحح له تلاوته بعد ذلك .
عندما انتهى الشهر كتب إبراهيم عنوانه في ورقة أعطاها لـ "عبدالله محمد علي" وهو الاسم الذي اختاره شامشاكنات بعد إسلامه .
بعد فترة وجيزة ترك عبدالله عمله، وقرر أن يذهب إلى العنوان الذي أعطاه إياه ذلك الرجل .
كان مكتوباً في تلك الورقة الصغيرة :
" محافظة الخرج - المدرسة الثانوية "
اتجه إلى الخرج وبعد بحث ليس بالطويل وصل إلى المدرسة الثانوية الوحيدة هناك، والتقى بصاحِبه وكيل تلك المدرسة: إبراهيم القرعاوي "جَدُّ كاتب هذه السطور ".
أخذه إبراهيم إلى منزله، وأسكنه في غرفة مُعدة للضيوف مسبقاً وساعده في أن يجد عملاً .
عاش عبدالله في منزل إبراهيم أربع سنوات حتى صلحت أحواله واستطاع استقدام عائلته الصغيرة والانتقال إلى منزلٍ خاصٍ به .
لم تنقطع علاقة عبدالله بإبراهيم وعائلته، واستمر صديقاً للعائلة حتى يومنا، يشاركها أفراحها وأحزانها، وكان يردد دائماً: "لا أهل لي، أنتم أهلي ".
التقطت هذه الصورة في منزلنا أثناء زيارته لنا في عيد الفطر، وكتبت التدوينة أعلاه في مدونتي التي اندثرت عام 2018 وأعيد نشرها اليوم بعد أن وصلني أن عبدالله انتقل فجر اليوم إلى جوار ربه، ودفن بين أهله وإخوته في الدين في مقبرة الثليماء .
لعلها تكون تخليدًا لقصة رجل مجهول في الأرض وأحسبه وربه حسيبه معروفًا في السماء .
رحمه الله رحمة واسعة وغفر له