همس البوادي
مهرجان الخرطوم تتعافى… جسدٌ ينهض وروحٌ تستعيد الأمل
سعادسلامة

ليست الرياضة ترفًا عابرًا في حياة المدن ولا مجرد نشاطٍ موسمي تُمارَس فيه المنافسات وتُرفع الكؤوس بل هي في لحظات التحول الكبرى لغةٌ رمزية عميقة تُجسّد عافية الجسد الجمعي وتُعبّر عن قدرة المجتمعات على النهوض من تحت الركام، ومن هذا المعنى تحديدًا يجيء مهرجان «الخرطوم تتعافى» تحت شعار «الخرطوم آمنة» كحدث يتجاوز حدود الفعالية الرياضية ليغدو إعلانًا صريحًا بأن العاصمة بدأت تستعيد أنفاسها وتعيد ترتيب علاقتها بالحياة .
في لحظة فارقة من تاريخ الخرطوم وبعد مرحلة ثقيلة الوطأة على الوجدان والمكان تخرج المدينة إلى فضائها المفتوح لا بخطاب سياسي ولا ببيان رسمي وإنما بحركة الأجساد وصوت الجماهير،وإيقاع المنافسة إن اختيار الرياضة ليكون عنوان التعافي ليس اختيارًا اعتباطيًا بل قرارًا ذكيًا يضع الإنسان في قلب المعادلة ويؤكد أن إعادة البناء تبدأ أولًا بإعادة الثقة ثم بإعادة الحضور في الشارع والساحة والميدان .
مهرجان «الخرطوم تتعافى» الذي تنظمه الاتحادات الرياضية تحت مظلة المجلس الأعلى للشباب والرياضة بولاية الخرطوم وبرعاية جهاز المخابرات العامة، لا يرسل رسالة إلى الداخل فقط بل يخاطب الوعي الجمعي بأن الأمن ليس مجرد انتشار للقوات بل إحساسٌ عام بالطمأنينة وشعورٌ بأن الحياة اليومية يمكن أن تُعاش من جديد دون خوف حين تخرج الدراجات النارية إلى الطرق وتُقام سباقات ألعاب القوى وتُفتح المسابح فإن المدينة تقول بلغتها البسيطة نحن هنا… نتحرك… ننافس… ونعيش .
الرياضة في هذا السياق تؤدي دورها الأسمى بوصفها أداة لإعادة ترميم الروح المجتمعية فهي تجمع المختلفين وتكسر الحواجز وتعيد تعريف الفضاء العام بوصفه مساحة آمنة ومشتركة كما أنها تمنح الشباب دورًا قياديًا في مشهد التعافي لا بوصفهم متلقين للدعم بل شركاء فاعلين في صناعة الأمل وحملة رسالة مفادها أن المستقبل يُبنى بالإيجابية والعمل والانخراط الواعي في الشأن العام .
ولا يمكن قراءة رعاية جهاز المخابرات العامة لهذا المهرجان بمعزل عن دلالتها العميقة فهي تشير إلى وعي مؤسسي متقدم بأهمية البعد المجتمعي في مرحلة ما بعد الأزمات وإدراك أن الاستقرار الحقيقي لا يُصان فقط بالإجراءات الأمنية بل بدعم المبادرات التي تُعيد الحياة إلى طبيعتها وتُرسّخ الشعور بالأمان عبر الفعل اليومي الملموس .
إن تشغيل المنشآت الرياضية وإحياء الساحات المفتوحة وربط المواطن بمشهد مدينته (الحي) الذي يسكنه ليست تفاصيل جانبية بل خطوات أساسية في مسار التطبيع المجتمعي فالمدينة التي تُغلق ساحاتها تُصاب بالركود أما التي تفتحها للحركة فإنها تُعلن استعدادها لاستقبال الغد ومن هنا يصبح مهرجان «الخرطوم تتعافى» اختبار ٌ إيجابي لقدرة العاصمة على استعادة دورها الطبيعي كحاضنة للفرح وملتقى للناس ومسرحٍ للحياة .
هذا المهرجان يبعث برسالة طمأنينة واضحة الخرطوم ليست مدينة أزمات فقط بل مدينة قادرة على التعافي وعلى تحويل المحنة إلى فرصة والصمت إلى حركة والخوف إلى طاقة إيجابية وهو في جوهره دعوة مفتوحة للمواطنين كي يعودوا إلى مدينتهم ويستعيدوا علاقتهم بها ويشاركوا في صياغة صورتها الجديدةاليوم
السبت 7 فبراير 2026م… موعد تضرب فيه الرياضة موعدها مع الأمل حين تحتضن الخرطوم مهرجان «الخرطوم تتعافى» تحت شعار «الخرطوم آمنة ».
فاصلة
مع انطلاق صافرة البداية وامتلاء الساحات بالحركة والضحكات والتنافس الشريف تُعلن الخرطوم عبر الرياضة أنها اختارت طريق الحياة. تعلن أن التعافي ليس قرارًا إداريًا يُتخذ في المكاتب بل مسارًا مجتمعيًا طويلًا تُشارك فيه المؤسسات والشباب والمواطنون خطوةً بخطوة. إنها عودة واعية، وتطبيع للحياة وبداية فصل جديد تُكتب صفحاته بالإرادة والعمل لتبقى الخرطوم آمنة… نابضة… وقادرة على المضي بثبات نحو الغد .
اللهم امنا في اوطاننا