شرف الدين سيد احمد … سيرةُ رجلٍ عَمَرَ المسجدَ وبقي في القلوب   

رحل بهدوء… كما عاش وقورًا 

image-1169.jpeg

كتب – المهندس ابراهيم الأمين خلف الله 

 

في صباحٍ حزينٍ مضمّخٍ بذكر الله، غاب عن دنيانا العم شرف الدين سيد أحمد، ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد فردٍ في حيّ الجريف شرق، بل كان قيمةً تمشي على الأرض، وركنًا من أركان الطمأنينة التي يستند إليها الناس دون أن يشعروا .

رحل، لكن أثره لم يرحل .

رجلٌ من طينة خاصة

لم يكن العم شرف الدين ممن تُسلّط عليهم الأضواء، لكنه كان حاضرًا في القلوب، ثابتًا في المواقف، عميق الأثر في كل من عرفه. رجلٌ مهذب، دمث الخلق، عفيف اللسان، قوي الإيمان. من أولئك الذين إذا رأيتهم ذكرت الله، وإذا جالستهم شعرت أن الدنيا ما زالت بخير .

 

جاء إلى الجريف شرق منذ عقود، قادمًا من منطقة القُرير، يحمل معه بساطة الريف ونقاءه، ويزرع في أرضٍ جديدة بذرة الخير التي لا تذبل. عُرف بين الناس بلقب “شرف الشايقي”، فكان الاسم عنوانًا لأصله، لكن أخلاقه كانت عنوانًا لانتمائه الأوسع… انتماء للناس جميعًا .

أحبه أهل الجريف شرق حبًا صادقًا، لا تصنع فيه ولا مجاملة، وبادلهم ذلك الحب صدقًا بصدق. لم يكن غريبًا بينهم يومًا، بل صار واحدًا من أعمدتهم. ومع مرور الزمن، جاءت من بعده عدة أسرٌ من نفس المنطقة، وكأنما كان هو البذرة الأولى لشجرةٍ وارفةٍ من الطيبين .

 

رجل المسجد… قلبه معلقٌ بالمحراب 

إذا أردت أن تعرف مقام الرجل، فانظر إلى مكانه في المسجد .

كان العم شرف الدين من رواد مسجد الجهاد، بل من مؤسسيه ومعمّريه، حضورًا وعملاً وروحًا. لم يكن يأتي للصلاة عادةً، بل عبادةً وحبًا. كان من الذين تشهد لهم الأرض مواضع سجودهم، وتشهد لهم الجدران بذكرهم، وتشهد لهم القلوب بصدقهم .

صلاته لم تكن مجرد أداء، بل كانت سكينة. ووجوده في المسجد لم يكن عابرًا، بل كان حياةً كاملة من التعبد والذكر والمودة. كان أخًا للإخوان، وأبًا حنونًا، ومربيًا ناصحًا، وكأن المسجد لم يكن مكانًا يرتاده… بل بيتًا يسكنه وتسكنه روحه .

 

شهادةٌ موثقة… من الإمام والجار 

 

ولأن الرجال تُعرف بشهادة الصادقين، فقد نقل إلينا شيخ  صديق مصطفى ، إمام مسجد الجهاد وجار الفقيد، كلماتٍ تختصر سيرة رجلٍ كامل :

 

إنا لله وإنا إليه راجعون… اللهم اغفر له وارحمه، وأسكنه فسيح جناتك مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. انتقل ركنٌ ركين من أركان مسجد الجهاد، من مؤسسيه ومعمّريه، حِسًّا ومعنى… تعبّدًا وذكرًا ومحبة. كان أخًا للإخوان، وأبًا حنونًا، ومربيًا شفوقًا، وناصحًا أمينًا، وخلقًا رفيعًا، وإيمانًا عميقًا. نشهد له بالإيمان كما أمرنا الله لمن يعمرون المساجد. وكان جارًا بحق، مخلصًا، محبًا لأهل الجريف التي أولاها محبةً عظيمة. ويكفي قوله يوم دفن ابنه حمدي …”

ثم استحضر الإمام موقفه الخالد، حين قال :

لو مات في القرير بلدنا، لأتيت بالجثمان ليدفن في الجريف شرق .”

 

وأضاف: “لا نزكيه على الله، ولكن هذه شهادتنا فيه .”

 

لم تكن هذه الكلمات مجرد رثاء، بل كانت وثيقة حياة… شهادة رجلٍ عاش معه، ورآه في المسجد، وفي الحي، وفي تفاصيل الأيام، فعرف معدنه الأصيل .

 

أبٌ… في مقام الرجال 

 

لكن أعظم مواقف العم شرف الدين التي ستبقى محفورةً في الذاكرة، هي موقفه يوم ودّع ابنه، الشهيد حمدي .

ذلك اليوم الذي كانت فيه القلوب تتكسر، وقف هو شامخًا، لا قسوةً… بل إيمانًا .

لم يكن ثباته تكلّفًا، بل كان يقينًا عميقًا بأن ما عند الله خيرٌ وأبقى. تكلم بكلماتٍ لم تكن مجرد عزاء، بل كانت درسًا في العقيدة والصبر. قال إن الشهادة اصطفاء، وأنها لا تُنال بالأماني، بل باختيار الله .

 

كان يزف ابنه إلى الجنة كما يُزف العريس، ويعلّم الناس كيف يكون الرضا، وكيف يكون التسليم .

 

الجار… الذي لا يُنسى 

 

وفي الحي، كان جارًا بحق .

 

يعرف معنى الجوار، ويؤديه بإخلاص. قريبٌ من الناس، حاضرٌ في أفراحهم وأتراحهم، صادق الود، طيب المعشر. لم يكن مجرد ساكنٍ في الجريف شرق، بل كان روحًا من أرواحها .

كان محبًا لأهلها، مخلصًا لهم، يبادلهم الاحترام والود، حتى صار جزءًا من ذاكرتهم الجماعية، لا يُفصل عنها .

 

بين الرحيل والبقاء 

رحل العم شرف الدين، لكن بعض الناس لا يرحلون حقًا .

 

يبقون في هيئة دعوةٍ صالحة، في سيرةٍ طيبة، في ذكرٍ حسنٍ على الألسن، وفي أثرٍ لا تمحوه الأيام .

 

يبقون في مسجدٍ شهد خطواتهم، وفي أبناءٍ تربّوا على قيمهم، وفي مجتمعٍ تشكّل بعضه من أخلاقهم .

 

لقد فقدت الجريف شرق رجلًا من خيرة رجالها، وفقد المسجد أحد أعمدته، وفقد الناس مثالًا نادرًا للصدق والتواضع والإيمان .

 

لكن العزاء أن حياته كانت ممتلئةً بما يجعل الرحيل بدايةً لخلودٍ آخر .

 

نسأل الله أن يغفر له، ويرحمه، ويجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وأن يجمعه بابنه الشهيد في أعلى عليين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، ويجعل البركة في ذريته .

 

وأن يجزيه عن كل سجدةٍ، وكل كلمة طيبة، وكل موقفٍ صادق، خير الجزاء .

 

وأن يلهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان، وأن يجعل ما تركه من أثرٍ طيبٍ نورًا يمتد في حياته وبعد مماته .

 

رحم الله العم شرف الدين سيد أحمد

فقد عاش طيبًا، وثبت مؤمنًا، ورحل هادئًا

وترك في القلوب ما لا يُدفن .

 

 

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان