تحياتي من مدينة ومقاطعة جديدة لم يسبق لي دخولها فاتحاً من قبل ..
مقاطعة آنخوي وحاضرتها خفي ..

آنخوي- الدكتور لؤي دقوش
سأحكي شيئا لطالما تعلمته منذ قدومي لهذه البلاد قبل 8 أعوام ..
لاحظت أن لأهل البلاد البعيدة هذه طقوس مدهشة في شرب الشاي، حتى ليخيل إليك أنهم لا يشربونه بقدر ما يقيمون له شعيرة كاملة .
في زيارتي هذه لصديق قَدم لي دعوة لزيارته في مدينته ولبيتها، أخذني إلى مكان يسمى “برج الشاي”، لأتعرف على بعض أصدقائه وتجولت بين أروقة المكان، ولم أخرج إلا بخلاصة واحدة، يبدو أن كل نبتة في هذه البلاد تحمل بين بتلاتها احتمال أن تصبح شايًا يشرب، متى ما وجدت المتجر الذي يمنحها تلك الفرصة.! .
غير أن ما حيرني حقاً لم يكن تنوع الشاي، وإنما المكانة التي يحتلها بروتوكول تقديمه، هنا تبدو الطقوس أهم من الكوب نفسه؛ فلكل حركة معنى، ولكل صبة توقيتها، غدا الشاي ذريعة لإتقان البروتوكول أكثر من كونه رفيقاً للحديث .

أما نحن ففي الديار كان الأمر على النقيض، لم نكن نعبأ كثيراً بنوع الشاي أو أصله أو العشبة التي جاء منها، ما دام أحمر اللون، وقادراً على أن يفتح أبواب الأنس، كان كوب واحدًا يكفي لتنساب معه الحقائق والأكاذيب، والنوادر، وحكايات الانقلابات، وأخبار الأيام الغابرة، وزمن نميري الذي لا يزال جميلًا في روايات الأجداد مصابي متلازمة استوكهولم وتعاطفهم مع الجلادين الذين تنافسوا على أفضلية السوء .
الشاي في الديار وسيطا بين القلوب ورابطاً بين الأجيال، لا موضوعاً للتأمل .

أظن أن الفرق بيننا وبينهم ليس في الشاي، بل في الغاية منه، هم يحتفون بالتقديم، ونحن نحتفي بالحديث وعمق الحكايات .
