يحيى أحمد محمد (الشايقي).. حين أُلقي به في البحر وقيل له: «إياك أن تبتل !»

بورتسودان :طيران بلدنا
هكذا يمكن وصف ما واجهه الأستاذ يحي احمد محمد (الشايقي)، مدير مطار بورتسودان، منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023. ففي لحظة خاطفة، ومن دون مقدمات، وجد مطار بورتسودان نفسه ينتقل من مطار إقليمي مهم إلى المطار الدولي الوحيد الذي تتنفس عبره البلاد، والنافذة الجوية التي يطل منها السودان على العالم .

لم يكن التحدي في زيادة عدد الرحلات فحسب، بل في تحمّل أعباء دولة بأكملها. فكل رحلة إجلاء، وكل وفد رسمي، وكل شحنة مساعدات إنسانية، وكل سوداني يبحث عن طريق للعودة أو الخروج، كانت تمر عبر بوابة واحدة اسمها مطار بورتسودان .
وجد يحي ورفاقه أنفسهم أمام معادلة صعبة: بنية تحتية صُممت لخدمة مدينة، فإذا بها مطالبة بخدمة وطن كامل. قاعات محدودة، ومواقف طائرات محدودة، وكوادر تعمل تحت ضغط متواصل، ومتطلبات تشغيل تتضاعف يوماً بعد يوم. ومع ذلك ظل المطار يؤدي دوره، وأصبحت ساعات العمل تمتد بلا حساب، وأصبح النجاح اليومي يقاس بقدرة المطار على مواصلة التشغيل في ظروف لم تكن في الحسبان .
لم تكن هناك فترة سماح أو فرصة للاستعداد. فالحرب لا تمنح المديرين ترف التخطيط الطويل. فجأة أصبحت بورتسودان العاصمة الإدارية للبلاد، وأصبح مطارها البوابة الرئيسية للدبلوماسيين والمسؤولين والمنظمات الدولية ورجال الأعمال والمواطنين على حد سواء .
في مثل هذه الظروف لا تصنع الإنجازات المكاتب المكيفة ولا الخطط النظرية، بل يصنعها رجال الميدان. رجال يواجهون الأزمات ساعة بساعة، ويتخذون القرارات تحت الضغط، ويجدون الحلول حيث لا توجد حلول جاهزة .
لقد كانت تجربة يحي احمد محمد (الشايقي) درساً عملياً في إدارة الأزمات المطارية. فالرجل لم يختر أن يكون مديراً لمطار السودان الوحيد، لكن الظروف اختارته لهذا الدور. وحين وضعت الحرب مطار بورتسودان في قلب الأحداث، وجد نفسه في قلب المسؤولية .

سيذكر التاريخ أن مطار بورتسودان لم يكن مجرد مطار خلال سنوات الحرب، بل كان شريان الحياة الذي ربط السودان بالعالم الخارجي. وسيذكر كذلك أن خلف هذا الشريان رجالاً حملوا العبء بصمت، وكان من بينهم يحي احمد محمد (الشايقي)، الذي وجد نفسه فجأة يدير مطاراً أصبح بحكم الواقع مطار السودان الأول والوحيد .
هي تجربة استثنائية لرجل استثنائي، واجه تحديات غير مسبوقة، وأدار مرفقاً حيوياً في واحدة من أصعب الفترات التي مرت على السودان الحديث، مثبتاً أن القيادة الحقيقية تظهر عندما تتحول الأزمات إلى مسؤوليات، والمسؤوليات إلي إنجازات ،ورغم ذهابه عن المنصب الي أن قصة جهوده في أصعب فترات الطيران بالبلاد تظل حاضرة .