عم بابكر خلف الله بخيت: حكاية حياة عاشها بالكرم والنزاهة والتضحية والحب

المهندس ابر اهيم الأمين خلف الله
في عصر يوم الخميس، 19 مارس 2026، الموافق 30 رمضان، ارتحل عن عالمنا عمنا الحبيب بابكر خلف الله بخيت، تاركًا وراءه فراغًا كبيرًا في قلوبنا، وذكريات تتنفس الإنسانية بكل تفاصيلها. رحيله لم يكن مجرد حدث، بل توقف فيه القلب ليقدّر حياةً عظيمة عاشها رجل جعل من كل يوم فرصة للخير والمحبة والتضحية .
وُلد بابكر في الجريف شرق عام 1938، وترعرع بين أحضان أسرة بسيطة، انتقلت لاحقًا إلى أم درمان باحثة عن حياة أفضل. منذ طفولته المبكرة، كان يتحلى بالمسؤولية قبل أن يدرك معنى الطفولة. كان يعمل مع والده خلف الله في بيع الخضروات، يوزع الخضار على الزبائن ويضحك معهم، يروي لهم نكتة أو قصة طريفة، ويعلمهم أن الحياة أفضل بابتسامة وكلمة طيبة .
لكن القدر كان قاسيًا، وفارق والده الحياة في العقد الخامس من عمره، تاركًا خلفه إخوته صغارًا لم يتجاوز بعضهم العاشرة. هنا ظهر قلب عمنا بابكر الكبير؛ لم يتردد لحظة عن التضحية بحلمه بالدراسة، تاركًا طفولته وشبابه ليصبح لهم الأب والأخ والمعلم. كانت مسؤولية تربية الإخوة صعبة، لكنه لم يكل أو يمل، وكان يسهر على راحتهم، ويعلمهم كيف يكون الإنسان شريفًا كريمًا، ملتزمًا بالواجب قبل كل شيء .
كان بابكر روح العائلة الحقيقية، محبوبًا أينما حل، ضاحكًا، بشوشًا، يملأ المكان حبًا وفرحًا. زبائنه في محل الخضروات يحبونه ليس فقط لجودة البضاعة، بل لأنه يجعل كل لقاء معهم تجربة ممتعة. كان يستمع للناس، يروي لهم حكاياته، يبتسم، ويترك أثرًا من السعادة في كل قلب .
وعُرف عن كرمه أنه لا يعرف حدودًا. كل ما يكسبه يذهب أولًا إلى أسرته، وكل ضيف يطرق بيته يجد أمامه كرمًا وسخاءً يفوق الوصف. لم يكتف بذلك، بل امتد عطاؤه للأيتام، خصوصًا أحفاده من ابنه هيثم الذي توفي في ريعان شبابه تاركًا ثلاثة أطفال صغار. لم يتردد عمنا بابكر في رعايتهم، يحرص على تربيتهم، تعليمهم، وحماية طفولتهم كما لو كانوا أبناؤه، يمنحهم الحب والحنان والصبر على قسوة الحياة .
وكان مثالًا للعفة والنزاهة، لا يسأل أحدًا عن المال، ولا يعتمد على أحد. روي لنا والدي الأمين أنه مشى يومًا على قدميه من بري إلى أم درمان لأداء واجب، ولم يكن يملك ثمن المواصلات، لكنه لم يسمح لأي عائق أن يمنعه عن صلة رحمه أو أداء الواجب. هذه القصة الصغيرة تعكس عظمة روحه وعزته التي لم تعرف المساومة .
ولا ننسى كرمه الطيب الذي يثلج القلوب: فقد أعطى ذات يوم كل مدخراته التى كان يدخرها مع أخي محمد ودون أن يحسبها أعطاها لأخي احتفالًا بمولودة جديدة، مؤكدًا أن الفرح بالعائلة وأبنائها أهم من أي شيء آخر .
لم يقتصر عطاؤه على المال، بل كان عطاؤه بالروح والوقت والحب. ضاحكًا بشوشًا، محبًا للقصص والنكت، واصلًا للرحم، لم يخاصم أحدًا طوال حياته، ولم يزعل أحدًا، فكان مثالًا للصبر، التسامح، والرحمة .
حتى عندما أصابه المرض وأقعده في البيت، ظل صبورًا محتسبًا، لا يشكو، ولا يريد أن يرهق أحدًا. وعندما أصبح طريح الفراش في المستشفى، كان حضوره يبعث الطمأنينة والهدوء في كل من حوله، حتى مياه الغسل كانت انعكاسًا لصفاء قلبه ونقاء روحه .
رحيله في آخر يوم من رمضان قبل الإفطار بساعتين كان لحظة مؤثرة، ترك لنا إرثًا لا يُقدر بثمن من المحبة والكرم والتضحيات. لقد فقدنا أعمدة حياتنا: عماتنا العزيزات العازة، علوية، وصال، وعمنا كمال، والآن عمنا بابكر، لكن إرثهم من حب وإخلاص وتضحية سيبقى خالدًا في قلوبنا، وسنروي قصصهم لأبنائنا وأحفادنا، لنظل قريبين منهم، مهما بعدت المسافات .
رحمك الله يا عمنا بابكر، وأسكنك فسيح جناته، وجعل ذكراك نورًا يضيء دروبنا، وعبرتك في حياتك مثالًا للأجيال القادمة عن حياة عاشها بالنزاهة والكرم والعطاء، حياة ستظل خالدة في قلوبنا إلى الأبد، ولن تُنسى أبدًا .
إبراهيم الأمين خلف الله
25/03/2026