عندما حملتُ انقلاب السودان إلى القاهرة في حقيبتي  

أبو عبيدة البقاري-كندا-لندن أونتاريو   

image-1519.jpeg

الإثنين 29 يونيو 2026  

 

بعض الليالي لا تمرّ مثل غيرها، بل تظل عالقة في الذاكرة كأن الزمن توقف عندها. وليلة التاسع والعشرون  من يونيو عام 1989 كانت واحدة من تلك الليالي التي غيّرت وجه السودان، وبدّلت مسار أمة كاملة، وفتحت أبواباً طويلة من التحولات السياسية والصراعات والانقسامات .  

لكن حكايتي مع ذلك الحدث لا تبدأ في الثلاثين من يونيو، بل في مساء يوم الخميس التاسع والعشرين من يونيو 1989 .  

مساء عادي يسبق العاصفه   

من خميسيات العاصمه التي عاده تقام فيها المناسبات الاجتماعيه ،،فذلك المساء  شهد حفل زواج الاخ ابراهيم كوباني الذي تنادي اليه وجمع معظم مجتمع العاصمه لأن الأسرتين تجمعهما علاقات ممتده ،،فجمع ذلك المساء معظم رجالات الدوله والسياسين من الأحزاب بما فيهم رئيس الوزراء السيد الصادق المهدي ،،  

كنت يومها أقيم في حي الخرطوم 3، غرب ميدان عبدالمنعم في منزل مستأجر من السيد محي الدين حسين (أحد شركاء شركه ماكس لخدمات الطيران مع كمال محمد عبدالله وابوسمره )يجاور بيوتاً عريقه عرفتها الخرطوم بأهلها وذكرياتها. كانت أسرتي قد غادرت إلى مصر قبلي بأسبوع عبر الخطوط الجوية السودانية، وبقيت وحدي أرتب تفاصيل اللحاق بهم .  

في تلك الأمسية، اجتمع معي نفر من الأصدقاء والأقارب في منزلي لوداعي ،من بينهم عبد الصادق البقاري، والصادق عبد الوهاب الجميعابي ، وياسر محي الدين الجميعابي ،الغالي إبراهيم ، وآخرون. تناولنا العشاء في هدوء، وتبادلنا الأحاديث والضحكات، ولم يكن يخطر ببال أحد منا أن الخرطوم تستعد لواحدة من أكثر الليالي حساسية في تاريخها الحديث .  

إلى مطار الخرطوم… والموعد الذي تغيّر  

قرابة الساعة العاشرة مساءً حملت حقيبتي، وتوجهت إلى مطار الخرطوم الدولي، وكان حجزي على متن طائرة الخطوط الجويه الالمانيه (لفتهانزا )المتجهة إلى  أوروبا عبر مطار  القاهره     

عند وصولي، علمت أن إجراءات الوزن لم تبدأ بعد، فاتجهت إلى المكتب الخطوط الألمانيه بالمطار، حيث كان يعمل صديقي فريد إبراهيم رمضان. جلسنا نتبادل الحديث، ثم فاجأني بطلب غير متوقع .  

image-1516.jpeg

شخصية مهمة ترغب في السفر  

قال لي: يا أبو عبيدة، عندنا شخصية مهمة ترغب في السفر الليلة، فهل يمكن أن تتنازل عن مقعدك، ونحولك إلى رحلة الخطوط الجويه الفرنسيه بعد ساعات،  

سألته  

ومن هو هذا المسافر؟  

ابتسم وقال  

إنه (الشريف زين العابدين الهندي)  

لم أتردد كثيراً… ووافقت .  

image-1518.jpeg

تم تحويلي إلى رحلة الخطوط الفرنسيه التي كان من المفترض أن تغادر بعد الطائرة الألمانية بساعتين تقريباً .  

 

image-1520.jpeg

لم أكن أعلم أن ذلك القرار البسيط سيجعلني شاهداً مباشراً على واحدة من أهم لحظات التاريخ السوداني .  

المطار يُغلق… والانقلاب يبدأ  

صعدنا إلى الطائرة الفرنسية، وانتظرنا الإقلاع .  

ثم فجأة  

توقفت الحركة .  

أُغلقت بوابات المطار .  

ونزل الركاب .  

بعد دقائق من الحيرة والترقب، ظهر رجال  يرتدون الزي المدني ويحملون أسلحة حديثة. كانت وجوههم صارمة، وكلماتهم مقتضبة  

هناك انقلاب عسكري  

لم يذكروا أسماء .  

لم يوضحوا شيئاً .  

فقط… انقلاب .  

في تلك اللحظة لم يكن أحد يعلم من يقف خلف ما يحدث، ولا من أصبح في السلطة، ولا ما الذي يجري داخل الخرطوم .  

عدت إلى المنزل، وأنا أدرك أنني لم أعد مجرد مسافر… بل شاهد على حدث استثنائي .  

صباح البيان الأول  

حل صباح الجمعة، الثلاثين من يونيو .  

ثم جاء البيان الأول .  

ظهر قائد الانقلاب معلناً استيلاء القوات المسلحة على السلطة،وأُعلن حل الأحزاب السياسيه وتعطيل الصحف كما أُعلن حظر التجوال ابتداءً من الثالثة ظهراً .  

image-1517.jpeg

دخلت الخرطوم في صمت ثقيل .  

شوارع خالية .  

متاجر مغلقة .  

ووجوه يملؤها القلق والترقب .  

وفي اليوم التالي بدأت صحيفة القوات المسلحة تصدر بأخبار الانقلاب وصور قادته .  

هنا شعرت بغريزة الموثّق .  

بدأت أشتري أكثر من نسخة كل يوم سبعاً وثماني نسخ أحياناً وأحتفظ بها بعناية داخل حقيبتي .  

كنت أشعر أن هذه الأوراق ستصبح جزءاً من التاريخ .  

رحلة الخروج  

بعد ثلاثة أيام، التقيت صديقنا عبدالمنعم نابليون ، لاعب نادي النيل لكرة السلة، وكان يعمل في الخطوط البريطانية .  

قال لي  

هناك رحلة بريطانية ستغادر الخرطوم يوم الاثنين الثالث من يوليو  وعلى متنها رعايا بريطانيون… إن أردت الخروج، فهذا هو الوقت المناسب  

لم أتردد  

لكن الخروج من الخرطوم لم يكن سهلاً  

كان لا بد من استخراج تصريح سفر من قيادة الخرطوم المركزية، عند تقاطع شارع السيد عبد الرحمن مع شارع المك نمر     

وقفت منذ الصباح الباكر وسط طوابير طويلة، حتى حصلت على التصريح .  

ثم غادرت الطائره البريطانيه وكنا نحن ثلاثه سودانين اذكر منهم الاخ عبدالوهاب المقلي وكان أنذاك  شريكا مع هاشم بابكر العمده (لاعب نادي النيل العاصمي)في مصنع للطحنيه في منطقه الباقير ،وكان متوجهين الي مطار هيثرو -لندن     

أول سوداني يصل القاهرة بعد الانقلاب  

عندما هبطت الطائرة في مطار القاهرة الدولي مساء ذلك اليوم، قيل لي لاحقاً إنني كنت أول سوداني يصل القاهرة بعد الانقلاب .  

لكن الوصول لم يكن نهاية الرحلة .  

بل بداية تحقيق طويل .  

من السادسة مساءً… وحتى منتصف الليل .  

ست ساعات من الأسئلة المتكررة :  

من أنت؟  

كيف خرجت؟  

أين كنت ليلة الانقلاب؟  

هل تعرف قادته؟  

ولماذا تحمل كل هذه الصحف؟  

وكانت المفاجأة الكبرى أن الصحف التي أحملها أصبحت مادة نادرة للصحفيين المصريين في صحف الأهرام، وأخبار اليوم والجمهورية والتلفزيون المصري .  

بعت لهم النسخة الواحدة بمئتي جنيه مصري… وهو مبلغ كبير جداً في ذلك الزمان اذ كانت الصحيفه المصريه قيمتها لا تزيد عن جنيهان     

وهكذا وجدت نفسي لا أحمل حقائبي فقط  

بل أحمل السودان كله في حقيبة صغيرة .  

ومن هناك كانت بدايه  المنفى السياسي  

  وأنا لازلت في القاهره بدأت القيادات السياسية السودانية تصل تباعاً إلى القاهرة .  

وزراء.برلمانيون ،محامون،صحفيون،معارضون ،واخرون من السياسين     

وفي شوارع وسط القاهرة، وعلى مقاهيها الشهيرة، بدأت تتشكل ملامح مرحلة جديدة، انتهت بقيام التجمع الوطني الديمقراطي .  

وهناك… في شارع 26 يوليو ومقاهيه القديمة كانت قهوه جي جي لصاحبها طاهر وعامله دينق من جنوب السودان هي الأشهر ،  بدأت فصول جديدة من الحكاية السودانية .  

أما أنا  

فما زلت أؤمن أن تلك الليلة لم تكن مجرد رحلة سفر تعطلت  

بل كانت رحلة إلى قلب التاريخ ،وقد حملت انقلاب الثلاثين من يونيو الي القاهره في حقيبتي ،وهذه شهاده ارويها للتاريخ بعد (37) عاما ،والحمدلله أن معظم الذين ذكرتهم في هذه الشهاده لازالوا  علي قيد الحياه     

ودمتم  

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان