العالم يحتفل بالمونديال... والسودان يحتفل بانتصارات الكرامة

نبيل محمد الحاج
في هذه الأيام، تتجه أنظار العالم إلى المستطيل الأخضر، حيث تتنافس الأمم في مونديالٍ عالمي، وتتعالى الهتافات كلما عانقت الكرة الشباك، فيما تحتفل الولايات المتحدة الأمريكية بعيد استقلالها، مستحضرةً ذكرى شعب انتزع حريته، وشيّد دولته، ورسخ سيادته .
أما السودان، فله هذه الأيام احتفالٌ من طراز آخر .
ليس احتفالاً بكأسٍ تُرفع، ولا بذكرى تُستعاد، وإنما بانتصاراتٍ يصنعها رجال آمنوا أن الأوطان لا تُورث إلا عزيزة، وأن السيادة لا تُستجدى، بل تُنتزع بالصبر، وتُحمى بالتضحيات، وتُكتب بدماء الشهداء. ففي الوقت الذي يصفق فيه العالم لأبطال الملاعب، يصفق السودانيون لأبطال الميدان، وهم يخطون بثبات نحو استعادة الدولة، وصون الكرامة، وترسيخ سيادة وطن ظل عصياً على الانكسار .
في قلب إفريقيا، يعانق النيلان أرضاً أنجبت حضارة عريقة ، يقف السودان اليوم أمام لحظة فارقة من تاريخه؛ لحظة لا تبحث عن هدنة مؤقتة، ولا عن سلامٍ هش، وإنما تؤسس لمرحلة جديدة، تستعيد فيها الدولة هيبتها، ويستعيد الوطن قراره المستقل، وتعلو فيها راية السودان فوق كل اعتبار .
لقد أدرك السودانيون أن معركة اليوم ليست مجرد مواجهة عسكرية، وإنما معركة وجود وهوية ومصير. ولذلك انحازت الإرادة الشعبية إلى جانب القوات المسلحة السودانية، المؤسسة الوطنية التي ظلت، عبر تاريخها، صمام أمان البلاد، وسورها المنيع كلما عصفت بها المحن .
ولم يطل الزمن حتى أثبتت الوقائع أن رهانات الفوضى كانت أوهى من بيت العنكبوت. فما أراده المتآمرون حرباً تستنزف الدولة، تحول إلى صحوة وطنية أعادت تعريف العلاقة بين الشعب وجيشه، ورسخت قناعة راسخة بأن الدولة لا يحميها إلا جيشها، وأن الأوطان حين تُستهدف، تتلاشى الخلافات، ولا يبقى إلا السودان .
ومن غرب البلاد، حيث ظن أعداء الوطن أن بإمكانهم فرض أمرٍ واقع بقوة السلاح، إلى شرقها الذي ظل عصياً على الاختراق، سطر أبطال القوات المسلحة، ومعهم القوات المساندة والمستنفرون، ملاحم ستبقى شاهدة على أن الإيمان بالقضية أقوى من كثرة العتاد، وأن من يقاتل دفاعاً عن وطنه يمتلك من أسباب الصمود ما لا تمنحه ترسانة السلاح .
وما تشهده ميادين العمليات من تقدمٍ متواصل، وانهيارٍ لخطوط المليشيات، وتراجعٍ لمشروعها التخريبي، يؤكد أن معركة استعادة الدولة تمضي بثبات نحو أهدافها. ولم يعد الحديث عن إفشال مخطط تقسيم السودان أمنيةً وطنية، بل حقيقة تفرضها الوقائع على الأرض، بعدما سقطت أوهام الذين ظنوا أن السودان يمكن أن يُمزق أو يُختطف من أهله .
لقد أثبتت هذه الحرب أن الأوطان قد تُرهقها الجراح، لكنها لا تموت إذا بقيت فيها قلوب تؤمن بها، وسواعد تحمل السلاح دفاعاً عنها. وسيكتب التاريخ أن السودان، في واحدة من أخطر محطاته، لم ينحنِ، ولم يساوم على وحدته، بل ازداد تمسكاً بأرضه، وإيماناً برسالته، وثقةً بمستقبله .
ولعل أعظم ما أفرزته هذه المرحلة أنها أعادت إلى السودانيين يقينهم القديم بأن جيشهم ليس مجرد مؤسسة عسكرية، بل هو عنوان السيادة، وحارس الدولة، ودرع الوطن الذي تتكسر عليه أطماع الطامعين .
أن ميادين القتال لم تكن وحدها ساحة هذا النصر؛ فخلف كل تقدمٍ عسكري كانت هناك معركة أخرى، لا تُخاض بالبندقية، وإنما بالحكمة، والكلمة الصادقة، والدبلوماسية الواعية التي حملت قضية السودان إلى العالم، وأعادت رسم كثيرٍ من الحقائق .
إذا كانت ميادين الشرف قد أثبتت أن السودان قادر على الدفاع عن أرضه، فإن منابر السياسة الدولية أثبتت، هي الأخرى، أن الحقيقة تملك من القوة ما يجعلها تنتصر، مهما أحاطت بها حملات التضليل، ومهما ارتفع ضجيج الروايات الزائفة .
فالحروب الحديثة لم تعد تُخاض بالبندقية وحدها، بل أصبحت الكلمة جبهة قتال، والإعلام ساحة مواجهة، والدبلوماسية خط الدفاع الأول عن صورة الدولة وحقوقها ومصالحها. ومن يدرك هذه الحقيقة، يدرك أن النصر العسكري يكتمل حين يجد من يحمله إلى العالم بالحجة، والوثيقة، وصدق الموقف .
لقد شهدت الأيام الماضية تحولاً لافتاً في نظرة كثير من العواصم والمؤسسات الدولية إلى ما يجري في السودان، بعدما تكشفت الحقائق، وسقطت محاولات المساواة بين جيش وطني يحمي دولته، ومليشيا تمردت على مؤسساتها، واتخذت من السلاح وسيلة لفرض مشروع لا يجد له سنداً في وجدان السودانيين .
وأصبح واضحاً أن استقرار السودان ليس شأناً داخلياً فحسب، بل هو ركيزة لاستقرار البحر الأحمر، والقرن الإفريقي، والإقليم بأسره. فالسودان، بما يملكه من موقع إستراتيجي، وعمق تاريخي، وثروات بشرية وطبيعية، سيظل رقماً مؤثراً في معادلات الأمن والتنمية، ولا يمكن تجاوزه أو اختزال قضاياه في روايات عابرة أو مواقف متعجلة .
وفي هذا السياق، برزت الدبلوماسية السودانية بوصفها أحد أهم عناوين المرحلة. فقد أدارت وزارة الخارجية، وسفارات السودان وبعثاته في الخارج، معركة سياسية وقانونية وإعلامية اتسمت بالصبر والاتزان، مستندة إلى الحقائق والوثائق، بعيداً عن الانفعال والمزايدات. وكان لذلك أثره في تصحيح كثير من المفاهيم، وتعزيز حضور الدولة السودانية في المحافل الإقليمية والدولية، وترسيخ قناعة متزايدة بأن الطريق إلى السلام يبدأ باحترام سيادة السودان ووحدة أراضيه ومؤسساته الوطنية .
وهكذا، التقت إرادة المقاتل في الخندق مع رسالة الدبلوماسي في قاعة المفاوضات؛ كلاهما يؤدي واجباً واحداً، وإن اختلفت الوسائل. فالأول يحرس حدود الوطن، والثاني يحرس مكانته بين الأمم، وما بين البندقية والقلم تتكامل أركان الدولة، ويكتمل معنى الدفاع عن الوطن .
و لقد أثبت الشعب السوداني أنه السند الحقيقي للدولة، والحاضنة التي استمد منها المقاتلون عزيمتهم، واستمد منها الوطن قدرته على الصمود .
ولعل أجمل ما يمكن أن يخرج به السودان من هذه المحنة، أنه استعاد يقينه بذاته، وأعاد اكتشاف معدن شعبه، ورسخ في وجدان أبنائه أن السيادة ليست شعاراً سياسياً يُرفع في المناسبات، وإنما مسؤولية يومية تُصان بالوحدة، وتحرسها المؤسسات، ويذود عنها الرجال .

واليوم، بينما يواصل العالم احتفالاته بالمونديال، وتحتفل الأمم بأعياد استقلالها، يحق للسودانيين أن يحتفلوا بانتصاراتهم، لأنها ليست انتصارات سلاحٍ فحسب، بل انتصارات إرادة، ووحدة، وصبر، وإيمان بوطن يستحق أن يُدافع عنه .
فالتحية للدبلوماسية السودانية، وهي تقدم نموذجاً مشرفاً في الدفاع عن قضايا الوطن بالحكمة والمنطق. والتحية لرئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ولأركان حرب القوات المسلحة، وقادتها، وضباطها، وضباط صفها، وجنودها، ولكل من رابط في الثغور، أو حمل رسالة السودان في المحافل الدولية، أو صبر وثبت في الداخل، حتى يبقى الوطن مرفوع الرأس .
رحم الله الشهداء، وحفظ السودان وطناً واحداً، عزيزاً، مستقلاً، ترفرف رايته خفاقة فوق أرضه الطاهرة .
ولعل التاريخ، حين يكتب شهادته عن هذه المرحلة، سيقول إن السودان لم يكن يخوض حرباً من أجل حدودٍ أو سلطة، بل كان يخوض معركةً من أجل أن يبقى السودان.السودان .
وما أعظمها من غاية، وما أشرفه من انتصار..وكونوا بخير 🔴