البروفيسور بدر الدين حامد الهاشمي
عالِم الأدوية الذي أعاد فتح نوافذ التاريخ السوداني

يُعدّ البروفيسور بدر الدين حامد الهاشمي واحدًا من أبرز الأكاديميين والمترجمين السودانيين الذين جمعوا بين التخصص العلمي الدقيق والعمل الثقافي والتاريخي الواسع، فخدم السودان في مختبرات العلم وقاعات الجامعات، ثم قدّم للمكتبة السودانية مشروعًا معرفيًا فريدًا أعاد من خلاله قراءة تاريخ البلاد كما سجلته الأقلام والوثائق الأجنبية .
وُلد البروفيسور الهاشمي في قرية أم علي بشمال السودان، وتلقى تعليمه الجامعي في جامعة الخرطوم، حيث حصل على بكالوريوس الطب البيطري عام 1975م. ثم واصل دراساته العليا في بريطانيا، فنال درجة الدكتوراه من جامعة إدنبرة عام 1981م، متخصصًا في علوم الأدوية والسموم، كما أمضى فترة أستاذًا زائرًا في الولايات المتحدة الأمريكية .
عمل بالتدريس والبحث العلمي في عدد من الجامعات، من بينها جامعة الخرطوم، كما عمل في ليبيا ودول الخليج، ثم في كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة السلطان قابوس في سلطنة عُمان، حيث بلغ درجة الأستاذية وأسهم في التدريس والإشراف على الطلاب والباحثين ونشر الدراسات المتخصصة في علم الأدوية .
وفي عام 2023م منحته جامعة السلطان قابوس لقب الأستاذ الفخري، تقديرًا لمسيرته الأكاديمية وإسهاماته العلمية وخدمته الطويلة للجامعة وطلابها .
السودان بعيون غربية
لم يقتصر عطاؤه على العلوم الطبية، بل انصرف منذ سنوات طويلة إلى مشروع ثقافي وتاريخي بالغ الأهمية حمل عنوان :
« السودان بعيون غربية »
وهو مشروع موسوعي متواصل ترجم من خلاله مئات المقالات والدراسات والفصول والمذكرات التي كتبها رحالة وإداريون وأطباء وعسكريون وباحثون غربيون عن السودان، في فترات تاريخية مختلفة .
تناولت هذه الترجمات تاريخ الحكم التركي المصري، والثورة المهدية، والحكم الثنائي، والمدن والقبائل السودانية، والتعليم والصحة والاقتصاد والمرأة والرق والأنثروبولوجيا والعلاقات بين شمال السودان وجنوبه، إلى جانب السير الشخصية والوقائع الاجتماعية والسياسية التي لم تكن متاحة للقارئ العربي .
وقد أوضح الهاشمي أن هدفه من المشروع هو الإسهام في التنوير الثقافي، وتسليط الضوء على جوانب من تاريخ السودان، وإتاحة المراجع التي حالت حواجز اللغة أو صعوبة الحصول عليها دون وصولها إلى القارئ السوداني. وبحلول عام 2024م كان قد أصدر خمسة عشر جزءًا من هذه السلسلة المهمة .
بدأ شغفه باللغة الإنجليزية والترجمة منذ سنوات دراسته الثانوية في أواخر ستينيات القرن العشرين، حين كان يقرأ مجلة «هنا لندن» ويقارن النصوص الإنجليزية بترجماتها العربية، كما ارتبط مبكرًا بمكتبة المجلس الثقافي البريطاني في الخرطوم وما كانت تضمه من كتب وصور ووثائق نادرة عن السودان .
ومن أعماله كذلك مشاركته في ترجمة كتاب «كوابيس الإبادة: سرديات التوجس ومنطق الفظائع الجماعية»، الذي حرره الدكتور عبد الوهاب الأفندي، وصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ضمن سلسلة «ترجمان ».
قيمة مشروعه
تكمن أهمية البروفيسور بدر الدين حامد الهاشمي في أنه لم يتعامل مع الترجمة بوصفها نقلًا للكلمات فحسب، وإنما بوصفها وسيلة لاسترداد أجزاء من الذاكرة السودانية المبعثرة في الكتب والدوريات والأرشيفات الأجنبية .
وقد أتاح مشروعه للباحثين والطلاب والقراء الاطلاع على وثائق وشهادات وكتابات كانت حبيسة اللغة الإنجليزية، مع تقديمات وتعليقات تساعد القارئ على فهم ظروف النص وكاتبه والمرحلة التاريخية التي كُتب فيها .
إنه نموذج نادر للعالِم الذي لم تحصره المعامل والتخصصات الأكاديمية، بل حمل همّ وطنه الثقافي والتاريخي، ووظّف معرفته باللغة وخبرته البحثية في خدمة الوعي السوداني .
فله منا خالص التقدير والوفاء، على ما قدّمه للعلم، وللجامعة، وللترجمة، ولذاكرة السودان .
البروفيسور بدر الدين حامد الهاشمي… عالمٌ في الأدوية، وحارسٌ أمين لذاكرة السودان المكتوبة في اللغات الأخرى .