
المبيت في قطية بحي الهوسا
بابكر عثمان- الدوحة

كلما استعادت بي الذاكرة تلك الرحلة من كسلا إلى قلع النحل، أشعر بجمال مجتمعاتنا قديمًا، وتماسكها الذي لا تخطئه عين. كان عمري آنذاك خمسة عشر ربيعًا، في عام 1981
رفقة صديقي وابن خالي "الصادق الطاش"، الذي يماثلني في العمر والاهتمامات. كنا قد عزمنا، خلال عطلة مارس الدراسية، على السفر إلى قلع النحل – تلك البلدة التي تبعد حوالي 65 كيلومترًا جنوب غرب القضارف – لزيارة أخي الحبيب المرحوم عمر عثمان، الذي كان يعمل مدرسًا هناك، ويقيم مع زوجته في المدينة .
كانت خطتنا بسيطة، السفر صباحًا بالباصات إلى القضارف، التي تبعد عن كسلا نحو 220 كيلومترًا، في رحلة تستغرق حوالي ثلاث ساعات. ومن هناك، كان علينا أن نجد باصًا متجهًا إلى قلع النحل. هكذا أوصانا أهلنا ونحن نودعهم صباحًا .
وفي موقف الباصات المتجهة إلى القضارف، وبعد أن حجزنا تذاكرنا، صادفنا زميلًا لنا في الفصل بمدرسة "بانت" المتوسطة، كان قد حجز هو الآخر تذكرة في الباص نفسه. ذلك الشاب، واسمه كمال – من قبائل الهوسا – كان رفيق دراستنا منذ المرحلة الابتدائية. استقبلنا بحرارة، وسألنا باستغراب: "عندكم منو في القضارف؟" فقلنا له: "لا والله، لكننا مسافرون إلى قلع النحل." فأفجعنا بقوله: "عندما يصل الباص إلى القضارف، يكون باص قلع النحل قد غادر." شعرنا ببعض الخيبة، لكنه سرعان ما أضاف: "أنا ماشي أزور عمي، تعالوا انزلوا معاي في بيته، وبكرة الصباح تسافروا إلى قلع النحل ."
كان عرضًا غريبًا، فنحن لا نعرف من الهوسا سوى كمال، أو بعض أبناء الفلاتة في المدرسة والسوق. ولم نكن قد دخلنا يومًا حي الفلاتة في "بانت"، ولا عششهم بجانب مقابر غرب القاش. ومع ذلك، لم نتردد في قبول العرض .
وحوالي الثانية ظهرًا، كنا نجلس في إحدى قطاطي حي النور – معقل الهوسا في القضارف – بجوار كمال، وهو يحدثنا عن أهله وقبيلته، وعن عمه عمر الذي يملك محلًا لبيع وتصليح العجلات في السوق. كانت تلك القطية النظيفة في الحقيقة مضيفة كريمة، إذ اهتم كمال بضيوفه اهتمامًا بالغًا، فأحضر لنا طعام الغداء. وحتى تلك اللحظة، لم نكن قد اختبرنا عادات الهوسا في إكرام الضيوف، ولا تذوقنا طعامهم من قبل .
وفي فترة العصر، أخذنا كمال في جولة سريعة في سوق القضارف، انتهت إلى دكان عمه عمر، رجل في نحو الأربعين من عمره. أجلسنا على كراسي، وطلب لنا الشاي. وقبيل المغرب، أعطى ابن أخيه مبلغًا من المال وقال له: "خذ أصحابك وامشوا السينما ."
كنا فرحين، ففي السينما يُعرض فيلم هندي، وأنا والصادق الطاش من عشاق تلك الأفلام. لكننا في سينما القضارف سرعان ما أصابتنا خيبة أمل، إذ تبين أن الفيلم المعروض قد شهدناه من قبل في كسلا، وكان فيلمًا "بايخًا" لا يحمل قصة مؤثرة، ولا أغنيات جميلة تعلق في الذاكرة .
عدنا مساءً برفقة صديقنا العزيز كمال – أشعر بالأسف الشديد أنه لن يقرأ هذه القصة، لأنه فارقنا إلى الأبد عام 2008 – فإذا بالقطية تحتوي على نحو خمسة أو ستة صواني من الطعام، وكواري من الألبان، وصحون مليئة بالقدو قدو أو الفطير. شعرنا بالاستغراب: لماذا كل هذا الطعام؟ ففسر لنا كمال قائلًا: إن هذه المضيفة – القطية – تخص عددًا من البيوت، وعندما تسمع النسوة بوجود ضيف، تأتي كل واحدة منهن بطعامها، تضعه، ثم تنصرف. وهكذا امتلأت القطية بصواني الطعام، كأنها وليمة أعدت لزعماء، بينما نحن مجرد شباب صغار عابرين، استقبلنا الغرباء وكأننا من أهلهم .
في تلك الليلة، نمنا نحن الثلاثة في القطية، وعلى أصوات الضحكات والحكايات، شعرت بشيء غريب: كيف لمجتمع الهوسا أن يكون بهذا السخاء، وكيف لكرم الضيافة أن يتجاوز حدود المعرفة والقرابة، ليصبح عادة متأصلة في النفوس، لا تنتظر مقابلًا ولا شكرًا، بل هي فقط جزء من الطباع .
وفي الصباح الباكر، اصطحبنا كمال إلى موقف باص قلع النحل، فوجئنا به يسلمنا التذاكر قائلًا إن عمه عمر أمره بشرائها. أقلنا باصٌ صغير إلى قلع النحل، حيث كان أخي عمر ينتظرنا عند الموقف، يبتسم وكأنه يعلم أن رحلتنا لم تكن مجرد زيارة، بل درسًا في الإنسانية لم ننسه طوال حياتنا .
حياتنا التي استمرت الى اليوم لتشهد تفكك المجتمع السوداني الذي أصيب بداء التطرف وكراهية الآخر
في عام 2008 غادرنا أخي عمر مخلفا جرحا في القلب لن يندمل ابدا، كما غادرنا ايضا في نفس ذلك العام صديقنا كمال الذي أصبح حينها محاميًا مشهورًا في كسلا، وزعيمًا سياسيًا لقبيلة الهوسا، حمل هموم قومه وقضاياهم،
سافر إلى الخرطوم في مهمة إنسانية نبيلة، لإعادة شابة هوساوية هربت مع عشيقها، ولكن في طريق العودة، اختطف الموت روحه الطيبة في حادث مروري مؤسف، ليفارقنا إلى الأبد، ويترك في قلوبنا فراغًا لا يملأه سوى الدعاء له بالرحمة والمغفرة .