السودان: الفَكْ والتَرْكِيبْ !!
محجوب فضل بدرى
ونحن نتابع أخبار بلادنا التى ترد من خلال الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعى تَلُفَّنَا الحيرة بتضارب الأخبار،واختلاف الآراء!!وتهريج المحللين. قال لى صديقى المُحارب القديم، ونحن نحتسى القهوة -
من حسن حظ بلادنا أن معظم مواطنيها عساكر أو أولاد عساكر سواءً أن كانوا جياشة أو شرطة أو أمن،أو دفاع شعبى أو شرطة شعبية أو أمن شعبى أو خدمة وطنية أو مستنفرين، وكلهم قد تلقى دروساً عن البُندِقِيَّة وأولها درس الفك والتركيب، وقد يشعر الواحد فى البداية بالغرابة عندما يبدأ التعلمجى بالقاء الدرس الأول فيقول -أرض صالحة للطابور، مشمعات فرش،بنادق على قدر الجماعة.) أى سؤال؟
ولا أحد من المستجدين يسأل بل قد يسخر فى قرارة نفسه من هذه السذاجة!! لكن لو حاولنا اسقاط أى بند من هذه النقاط الثلاثة على بلادنا مثلاً لوجدنا التالى :-
- أرض صالحة للطابور= السودان .
- مشمعات فرش= التمهيد للزراعة .
- بنادق=معدات للصناعة والتنمية .
- الجماعة= جميع المواطنين .
الملخص هو أن أرض السودان فى أمس الحاجة لأيدى أبنائها ليبنوها بالزراعة والصناعة،بالعزم والحزم والضبط والربط كما فى العسكرية .
قلت له: أنت واسع الخيال وكلامك جميل لكنه لم يخطر حتى على بال من وضع هذه الدروس !!
قال لى: هناك فرق بين الأسلوب الفنى وأسلوب المباشرة،وربما يكون الهدف واحد. وسأزيدك من دروس البندقية مثالاً آخر،فى الفك والتركيب نتعلم الترتيب والترتيب العكسى،نفك الأجزاء ونضعها على المشمع بالترتيب ونركبها بالترتيب العكسى،ولو أخدنا نفس الفكرة فى اعادة اعمار ما دمرته الحرب، فبدلاً من أن نعيد اعمار المدن وما فيها من بنايات شاهقة تحتاج الى أموال طائلة بلا عائد سريع ومفيد علينا أن نبدأ باعمار الريف فالقرى هى الأساس الذى بدأت منه المدن وقرانا الآن خراب ونالت مع ذلك فضل استيعاب النازحين الذين شردتهم الحرب، فوجدوا فى القرى الكرم والبساطة ونجد فى القرى الزراعة بشقيها النباتى والحيوانى، والتى تحتاج الى بعض المال لتسهم فى الأمن الغذائى وصولاً الى الاكتفاء الذاتى، وبادخال الحِزَم التقنية فى المراحل المختلفة ستزيد كمية الانتاج وتتضاعف الانتاجية فنحصد من الفدان أضعاف ما ينتجه بالزراعة التقليدية، وتزداد أعداد القطيع القومى بتحسين السلالات بالتلقيح الأصطناعى وتدريب المربيين والعمال على أحدث الوسائل لزيادة انتاج الألبان واللحوم والبيض،وتشجيع مزارع الأسماك،وجلب معدات بسيطة لعملية الحلب والحفظ والمسالخ لتعظيم الفائدة من الثروة الحيوانية والصناعات الثانوية من جلود وأظلاف وقرون وأحشاء حتى الروث والدم يمكن الاستفادة منها بقيمة مقدرة تفوق قيمة اللحوم نفسها. دون الحاجة الى مشاريع ضخمة يحتاج انشاؤها لرؤوس أموال كبيرة،ونتجة لانشاء مزارع صغيرة كثيرة العدد فى ذات الوقت .
وواصل يقول وقد أزداد حماسه: الحرب فككت المدن ولتركيبها علينا أن نبدأ من الريف من القرى فما ننفقه فى بناء عمارة سكنية من عدة طوابق يكفى لانشاء مزرعة حديثة توفر فرصاً للعمل وتدر أموالاً وتغطى حاجة السكان من الغذاء
لحوم وألبان وفراخ وبيض وسمك وترتفع القيمة المضافة لصادراتنا .
تأملت فى كلامه وسرحت بخيالى فى (مشروعات زادنا) ذلك الحلم الذى تجسد حقيقةً على الأرض، ثم أضطربت مسيرته لأسباب واهية، ثم هاهو يحاول النهوض مجدداً، لكن أنواء السياسة قد تعصف به وتحطم مجذافه !!
قلت له: قهوتك بَرَدَتْ .
قال لى: نعم بردت، لكن المكونات كلها لا تزال فى الفنجان،مافى شئ فات ممكن أسخنها وممكن اشربها باردة القهوة ياها القهوة .
ارتشف جرعة من قهوته الباردة وقال نرجع للفك والتركيب،ونقول الفك حصل لبلادنا، دى حقيقة، لكن التركيب يحتاج الى ترتيب الأمور فمثلاً اعادة أِعمار القصر الجمهورى و مبانى الوزارات الاتحادية كمبانٍ أهميتها فى رمزيتها فقط لاغير!! ولا يحتاج ذلك الى دليل فالأمور كانت ماشة من بورتسودان وممكن تستمر على كده سنتين تلاتة،هل تصدق أن فى ألمانيا خرائب من آثار الحرب العالمية الثانية لم يعاد اعمارها لأن الألمان اتجهو للريف وبناء المدن الصغيرة التى لا يتجاوز تعداد سكانها المليون نسمة، المشكلة عندنا فى بلادنا تكمن فى معائش الناس ،ومكافحة جنون الأسعار والندرة وهذه من أسباب الغلاء الفاحش،لو أخذنا مثال لمزرعة مساحتها عشرة فدان فيها عشرة رؤوس من البقر،ومثلها من الماعز ومثلها من الضأن وبطارية دواجن بياض ولاحم وحوض لتربية السمك ومعمل صغير للجبنة كل هذا لا تزيد تكلفته على عشرين ألف دولار أو تزيد قليلاً أى أنها زى تكلفة (صيانة عمارة واحدة فى الخرطوم) وهذا النمط من التفكير سيعيد تكديس الأيادى العاملة فى المدن،وتجفيف الريف وسندور فى ذات الحلقة المفرغة !!
وأتى على مابقى من قهوته جرعة واحدة، فخشيت أن يستمر فى القاء بقية دروس البندقية وقلت له حسناً،لكننا نحتاج الى حكومة قادرة على تنفيذ هذه الرؤية بكل بساطة.وسيستمر الوضع الانتقالى لبضع سنوات قادمات قبل أن تُجرىٰ الانتخابات بعد الاعداد اللازم لها،فتهللت أساريره وقال الوضع الحالى هو أفضل فرصة لكسر الدائرة الجهنمية التى ندور فيها من حكومة حزبية الى انقلاب عسكرى الى ثورة شعبية الى فترة انتقالية الى حكومة حزبية وهكذا
قمت الى مكتبتى وانتقيتُ منها كتاب[السودان من الفشل التكرارى الى التغيير الحقيقى] بقلم فريق أول شرطة محجوب حسن سعد، وقلت له ستجد فى هذا الكتاب ما يضيف لرؤيتك لاستعادة الوطن عافيته ويحقق ذاته بأيدى ابنائه .
واتفقنا على أن نلتقى بعد أسبوع يكون قد فرغ فيها من قراءة الكتاب وهضمه لنناقش ما جاء فيه،وذكرته بقراءة بيت الشعر المكتوب بخط واضح على واجهة المكتبة والذى يقول :-
ألا يامُستَعِرْ منى كتابى فان اعارتى للكتبِ عارُ .
فمحبوبى من الدنيا، كتابى فهل ابصرت محبوباً يُعارُ !!
- أى سؤال !!!