اضطراب ثنائي القطب والالهام
الدكتور قمر الانبياء

كثيرا ما حار الناس بين الجنون والمرض النفسي
هل هما شئ واحد أم أن لكل نوع أوصافه ومزاياه
هل الجنون هو الابتكار؟
أم ترتيب الافكار ؟
أم الاتيان بالجديد؟
يحلل الإمام أبو القاسم بن حبيب النَّيْسابوري (ت 406هـ/1016م) -في كتابه ‘عقلاء المجانين‘- سبب رمي الأنبياء بالجنون بقوله "دعت الأممُ الرسلَ مجانين لأنهم شقّوا عصاهم فنابذوهم وأتوا بخلاف ما هم فيه.
هل يعني هذا أن كل فكرة جديدة لم يعتادها الناس يوصف صاحبها بالجنون؟
رصد الباحث المعاصر أحمد الخصوصي -في كتابه ‘الحمق والجنون فى التراث العربي‘- غزارة مترادفات الجنون في معجم "لسان العرب"، إذْ وصل عددها إلى 80 مفردة .
وعند عامة الناس ارتبط الجنون بالمرض كمترادفين متشابهين فقد وردت الكثير من القصص التي تحكي عن أفكار مبدعة أو تصرفات أو مواهب غريبة بأنها أفعال عبقرية ولاتصدر إلا عن مجنون .
يري الكثير من النقاد أن فَنَّ فان جوخ وابتكاراته وفنونه الزاهية في لوحاته ترتبط بشكل كبير بعقله الابداعي وحالات الجنون واضطراباته النفسية التي كانت تعتريه فقد أصيب بمرض اضطراب ثنائي القطب و قطع جزءًا من اذنه في واحدة من هذه الحالات من الحالات التي كان يمر بها
كذلك فرجينيا وولف الكاتبة الانجليزية والتي تعتبر من ايقونات الادب الحديث فقد عانت هي كذلك من متاعب اضطراب ثنائي القطب الذي لم يحد من ابداعها بل وفي بعض الاقوال شحذ عقلها وهمتها كي تبدع كانت تقول لا تحيا الكلمات في القواميس بل في العقول وتقول ايضا :ليعرف الاحياء قيمة الحياة بشكل أكبر لابد لاحدهم أن يموت ،وتقول :لن تتمكن من ان تجد سلامًا بتجنبك للحياة...فهل هذه الحكم وهذا الابداع من الجنون أم الجنون هو سبب هذا الابداع؟
كذلك من الذين عانوا من اضطراب ثنائي القطب ارنست همنجواي الكاتب الامريكي الشهير والذي عده الكثيرين مؤثرا قويا على الأدب في القرن العشرين،من اقواله :
عليك أن تُحسن اختيار الناس الذين ستوليهم ثقتك ثم تعرف بعد ذلك كيف ستنقاد اليهم إنه الكل أو لا شيء...ويقول كثيرا ما خيل إلي أنني اعرف أشياء كثيرة ،بينما أنا لا أعرف عنها شيئا أبدا...واخيرا قال :لقد كان الأخيار دائما مرحين فالمرح، من الخصال الطيبة، وهو يرمز إلى شيء أبعد منه إنه يرمز إلى تمتعك بالخلود، وأنت ما زلت على قيد الحياة .
فهل كل هذا الابداع اخرجه المرض ام هو سبب المرض؟
في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية – الإصدار الخامس (DSM-5) ، يُعرَّف اضطراب ثنائي القطب (Bipolar Disorder) على أنه اضطراب مزاجي يتميز بتقلبات مزاجية شديدة تشمل نوبات من الهوس أوالهوس الجزئي (Hypomania) وأحيانًا نوبات اكتئابية .
الذن لم يتعرضوا للابداع والعبقريه في هذا التعريف هل لأن ذلك لم يثبت بعد بشكل قاطع أم أنه لايناسب الصياغة العلمية ؟
أذكر ان أحد الاختصصايين في المجال النفسي كان يمر من وقت لاخر بنوبات هوس جزئي وهو يدرك ذلك فقلت له مازحا ألا تبحث عن علاج فرد قائلا:لا لا الهيبومينيا دي خلوها في حالها أنا كدة معاي تمام التمام .
ياتري هل هذا شعور من مروا بنوبات خفيفة لكنها لم تؤثر علي حياتهم سلبا لكنها على العكس اضفت إلى حياتهم شكلا من اشكال الابداع والمرح وحب الحياة؟
الحقيقة الاخرى التي تصب في هذا الاتجاه ان هرمون الدوبامين الذي يفرز في الدماغ هو المسؤول عن هذه النوبات المفرحة ان صح التعبير بشرط ان لايزيد عن الحد المطلوب فيتحول الي مرض اذ تقول بعض الدراسات ان زيادة الدوبامين في الدماغ بشكل معتدل تعزز الابداع
من خلال تحسين المزاج
وزيادة التركيز
والدوافع والمرونة الذهنية
بينما الزياة الشديدة او النقص الشديد قد تسبب مشاكل نفسية .
واخيرا ليس مرضي ثنائي القطب مجانين كما تصورهم اللغة الدارجة ولا عباقرة خارقين كما نتمني ولكنهم بشر عاشوا بمزاج متقلب حينا ويثور احيانا،تتسارع فيه الافكار مرة فتفيض ابداعا وتثقل مرة اخري لدرجة تتألم فيها ارواحهم.
اذن فالذي يحتاجونه منا ليس هو الخوف منهم ولا الاعجاب المَرضي بحالاتهم بل الدعم النفسي المتوازان، عَلنا ننقذ ارواحهم من براثن المرض، ففرجينيا وولف رغم كلماتها الساحرة والعميقة والتي لامست قلوب الكثيرين تركت ذات يوم رسالة هادئة لزوجها ثم توجهت الي نهر اوس وهي تملأ جيوب معطفها بالحجارة معلنة اختفائها للابد..ربما لم تكن تريد ان ترحل بل لأنها شعرت أن عقلها صار أثقل من أن يحتمل .