سِيرٌ  و  حكايات   

 اعداد وراوية المهندس ابراهيم الامين   خلف الله  

الجذور… بيتٌ أنجب رجلًا  

المرحوم عمر كمال الدين الطيب محمد الزين صغيرون  

image-857.jpeg

من مواليد 1954 – الجريف شرق  

والدته: الحاجة حليمة بت جادالله بت خالد  

 

نشأ في الجريف شرق، في بيتٍ عرف بالدين والأصالة، وتربّى على المروءة قبل الكلام، وعلى الهيبة قبل الصوت. درس بمدرسة الجريف القديمة، ثم ببحري الحكومية الثانوية، والتحق بكلية القانون، غير أن ظروف الحياة لم تمهله لإكمالها، فأكمل تعليمه في مدرسة الحياة، حيث تشكّلت شخصيته على الصبر وتحمل المسؤولية .  

صداقات العمر… كما رواها الأستاذ أبو القاسم عثمان  

 

يحكي الأستاذ أبو القاسم عثمان بألمٍ وحنين :  

تومي عمر عليه رحمة الله الواسعة… وُلد بكركوج، وولدت بحوش الضو، كلانا في اسبوع واحد. درسنا بمعهد علمي الجريف شرق الأوسط، ثم مدرسة الشعب ببحري. مراحل دراسية مليئة بالرجولة والشهامة والمروءة .”  

 

ويضيف :  

تميّز بالتواصل الاجتماعي، لا يفرق بين قريب وبعيد. يبدأ بسلام الأحضان من تحركنا حتى نهاية مشوارنا، من أحيائنا شمالًا حتى أحيائهم جنوبًا. يتعب من يحاول مجاراته .”  

ويواصل :  

كتابة كروت الزيجات، توزيعها، نفرات البناء، تجهيز المناسبات، فضّ المشاكل، لمة الإخوان في المساجد والأندية… كلها عمر والتجاني عثمان .”  

ثم يتحدث عن عمق الروابط :  

كنا نبيت عندهم في كركوج ويبيتون معنا في حوش الضو. إذا غابت الأمهات دخلنا المطابخ واستبحناها كما نشاء. كانت بيوتًا مفتوحة بالمحبة .”  

 

ويستعيد ذكريات المدرسة :  

 

بص حيدر… سبع طالبات والبقية طلاب. قرش ونصف ذهاب وقرش ونصف إياب، وانضباط وأدب جم .”  

 

ثم يروي موقف الشهامة :  

 

وقعت طالبة مغشية قرب شارع المعونة. لم أشعر إلا وأنا أحملها، وعمر يسترها ويوقف تاكسي. وصلنا بها مستشفى بحري ولا نملك إلا مروءتنا. وتعافت كأن لم يصبها شيء .”  

ويروي حادثة أخرى :  

حدثت مشكلة بين أولاد الجريف وعصابة خارج المدرسة. دخلت المدرسة وخطفت  مسحاة      البستاني، وهجمنا عليهم أنا وعمر. هربوا جميعًا، والمارة يفرون من أمامنا. مشهد لا يُنسى .”  

ويذكر من زاملهم في مدرسة الشعب: علي عبد الحكم، صباحي عباس التركاوي، د. محمد حسين، كباشي مصطفى، محمد يوسف شميس، هيثم مصطفى، علي عبد الرحمن، النعيم مصطفى، سراج الأمين… وغيرهم .  

ويختم :  

عمر لا يفيه هذا الإيجاز. كفى أنه خلف رجالًا يرفعون اسمه ويسيرون على دربه .”  

 

العمل والمسيرة المهنية  

بحسب ابنه مصطفى :  

عمل والدي في التدريس بمدارس إبراهيم صباحي، ثم انتدب إلى جهاز الأمن والمخابرات في عهد الرئيس جعفر نميري .”  

ابتُعث إلى جبيت ستة أشهر في قسم الحسابات، وتخرج وترقى إلى رتبة نقيب، ثم بعد الانتفاضة اتجه إلى العمل الحر، فاشتغل مقاولًا وأتقن البناء لسنوات طويلة .  

زوجته… البيت الذي لا يُغلق بابه  

 

تزوج في 5/9/1980 من أسرة كبيرة معروفة بالدين والأخلاق، بنات الحاج عبد الله أحمد نابري  

كانت زوجته مثالًا لبنت الأصول، كريمة، ثابتة، ذات سيرة طيبة .  

 

يقول مصطفى :  

أمي كانت تستقبل الناس بوجه بشوش. بيتنا مفتوح دائمًا، والكرم عندها طبع .”  

فكان البيت امتدادًا لخلقه… وقارًا وضيافةً وأصالة .  

في الملاعب… عشق لا يقبل الهزيمة  

image-857.jpeg

بدأ مع السهم الرياضي، ثم الأمير البحراوي، واختير ضمن المنتخب الوطني، وكان على رادار المريخ السوداني قبل أن تعيقه إصابة الغضروف .  

انتقل بعدها إلى التحرير في فترته الذهبية، ومن زملائه عبد المنعم مصطفى (شطه) .  

وكان متعصبًا لـ الهلال السوداني .  

شهادة بروف كمال… رفيق النجوم  

 

يقول بروف كمال :  

 

عمر كمال الدين نور وانطفأ… الذي لم يعاصر عمر ولم يضحك معه ولم يلعب معه لا حياة له .”  

كان حنينًا جدًا. تكلم مع عذاب يومًا بقسوة بعد التمرين، ثم ذهب إليه باكيًا معتذرًا .”  

كان مبدعًا في التقليد والمحاكاة، يرتب الكلام بصورة جذابة .”  

ويروي :  

في تمرين ونحن مغلوبين، نادى: اتحرك يا حامد! فرد عليه: أبقالك حامدين !”  

 

كان صاحب رأسيات قوية. كوتش الديبة يقول: عمر لمن يقوم للرأسية بشوف بحري من الجريف شرق .”  

 

ويضيف :  

لا يقبل الهزيمة. مرة أدخل رجله في جردل العصير بين الشوطين وقال: دايرين تشربوا وانتو مهزومين وكمان عندكم نفس؟  

 

ويختم :  

يكفيني شرفًا أنني آخر من لامست يداي جسده في الإسعاف بالقاهرة… أدخلته غرفة الإنعاش وخرج بلا روح .”  

 

 

شهادة الكابتن حامد عمر صالح (عذاب)  

أجهش بالبكاء أولًا، ثم قال :  

لمستني في شخصية فريدة وعجيبة .”  

 

كنا ننتظر حضوره بشوق. يأتي بدراجته، يحمل كيس الفاولات .”  

 

كان يشعل التمرين بالحماس والنكتة .”  

 

ويروي :  

 

ظلمه الحكم يومًا، فأخذ الصفارة وعضّها بأسنانه حتى صارت كاللبانة .”  

 

ويختم :  

مهند يذكرني دائمًا بوالده .”  

 

حديث الابن مهند… نعم الأب والصديق  

يقول مهند :  

 

كان أبًا وأخًا وصديقًا وحبيبًا. يعاملنا كأننا أصدقاؤه .”  

 

حنين جدًا، هين لين، يحب أن يسمع رأينا ويأخذ به إن كان صوابًا .”  

 

ربانا على كتاب الله وسنة رسوله، وعلى أكل الحلال، وعلى الكرم والجود بالموجود .”  

 

علمنا ألا نحقد ولا نحسد، وأن نحترم الناس، وأن نكون يدًا واحدة .”  

 

وصانا بصلة الأرحام، وبالصدق، وبمخافة الله في كل شيء .”  

 

تعلمت منه المسؤولية، والاعتماد على النفس، والشجاعة، ومساعدة الآخرين، واتخاذ القرار .”  

 

ويضيف :  

 

كان يقول إننا امتداد لتاريخه… وكان رضاه عنا ودعواته سببًا في توفيقنا .”  

 

 

فريق النجوم… الوفاء الذي لا ينقطع  

 

بعد رحيله، لم ينقطع العهد .  

 

كل أسبوع بعد التمرين نذهب إلى بيته، نصلي المغرب والعشاء جماعة، وندعو له .”  

 

أبناؤه المعز ومحمد ومهند ومصطفى يستقبلون رفاقه بحفاوة وكرم أسبوعي ثابت، وكأن عمر ما زال بينهم .  

 

 

يوم الرحيل… يوم عرفت الجريف قيمته  

 

21  فبراير 2016  

كان الخبر كالصاعقة .  

الجريف شرق كلها أمام بيته .  

وصل الجثمان في اليوم التالي، والسيارات مصطفة حتى مقابر ناصر، والمقابر مكتظة بالحشود .  

وكان يقول :  

 

يوم وفاتي حتعرفوا قيمتي .”  

 

وقد عرفها الجميع .  

 

 

اللهم اغفر له وارحمه،  

وأكرم نزله، ووسع مدخله،  

واجعل قبره روضة من رياض الجنة،  

وبارك في ذريته،  

وأدم على بيته نعمة الذكر الطيب .  

 

عشر سنوات مرّت  

وما زال الأثر باقيًا،  

وما زال الدعاء جاريًا .  

القاهرة  

15 / 02 / 2026  

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان