قضايا بيئية
تقطيع السفن الهالكة قضية بيئة دولية .. مرت عليها عقود دون حل.. وماتزال تراوح مكانها.
منظمة حقوق الإنسان والمنظمة الدولية البحرية.. لا حل ظاهرا في الأفق.
إعادة تدوير السفن لا يزال أحد أخطر المهن وأقذرها في العـالم.
في كل سنة يموت بسببه عدد هائل من العاملين أو يُـصابون إصابات خطيرة.
المقرر الخاص لحقوق الانسان يدعو لضرورة اعتماد تدابير إضافية وتنفيذها من أجل التصدي للآثار السلبية لتكسير السفن .

تقرير – علي سلطان
ليس ثمة معرفة سابقة بين شمس الدين نور في بنغلاديش وجودت آغا في تركيا و كتي علي في الهند، ولكن بينهما رابط مشترك هو أن كل واحد منهم مصاب بسرطان الرئة، وأنهم الثلاثة يعملون عملا شبيها في مناطق متشابهة أيضا في كل من بنغلاديش وتركيا والهند، وهو قاع السفن الهالكة التي يتم تدويرها وتقطيع مكوناتها في عدد من الشواطئ الرملية في عدد من المناطق الساحلية في جنوب القارة الأسيوية ومناطق اخرى حول العالم.
شمس الدين أقعده المرض عن العمل وهو إبن أربعين عاما، ومازال قادرا على العطاء، ولكن المرض أقعده ومنعه من كسب قوته أسرته الصغيرة وعائلته، لقد أفنى شمس الدين أكثر من 10 سنوات في أحد ورش تقطيع مكونات السفن الهالكة، وقال: إنه كان يقوم بتقطيع السفن مع عدد كبير من زملائه، وكان العمل جيدا والكسب كبيرا قياسا بأعمال مشابهة ، ولكنه يتحسر الآن لأنه لم يكن يعرف خطورة المكان القذر الذي كان يعمل فيه، وقال إن رائحة الاسبستوس و المواد الكيميائية ودهانات الطلاء كانت كريهة وخطيرة، ولكن كانوا يتحملون كذلك من أجل العائد المادي الكبير الذي لايتوفر في مهن أخرى، فقد كانت الأجور جيدة.. وأضاف بأن معظم زملائه اصيبوا بعلل مختلفة، وتوقفوا عن العمل، والمؤلم أنهم لايجدون علاجا جيدا، وليس لديهم المال الكافي للعلاج في مستشفيات أفضل أو السفر الى الهند للعلاج.. ولم يكن هناك تأمين صحي ولا اجراءات سلامة مهنية.. قال متحسرا.. لقد خدعونا وغرروا بنا.
شمس الدين وزملاؤه هم نموذج لعدد هائل من العمال الذين عملوا في تقطيع مكونات السفن الهالكة وأصيبوا بأمراض شتى، هناك آلاف المرضى في جنوب آسيا وفي دول عديدة في عدد من القارات ضحية هذا العمل الذي يتم في مسافن و ورش وبيئة قذرة لاتتناسب مع حق الإنسان بالعمل في بيئة نظيفة صالحة للعيش.
إحدى القنوات الأوروبية أجرت تحقيقا مهما عن إحدى المهن القذرة حول العالم وهي إعادة تدوير السفن الهالكة والتي أدت إلى إصابة آلاف الأشخاص العاملين فيها بأمراض عديدة أولها السرطان، وقص كثيرون قصصا محزنة كقصص شمس الدين وجودت و كتي.

أصل الحكاية
وطبقا لمصادر عديدة منها منظمة حقوق الإنسان ومنظمات دولية واقليمية وو كالات انباء وبرامج تلفزيونية وتقارير صحفية عديدة فانه مدار العام، تصل أكثر من 600 سفينة منتهية الصلاحية إلى شواطئ جنوب آسيا تحديدا وقد إنتهى عمرها الافتراضي بل وزدات عليه في رحلة اللاعودة أو الى مثواها الاخير وهي تحتوي على كميات كبيرة من المواد السُمية والخطرة، بما بما فيها الأسبستوس، وثنائية الفينيل المتعدد الكلورة، والمعادن الثقيلة، والزيوت، والوقود بأنواعه، حيث تُفكَّك دون أن يوضع تحتها غطاء إسمنتي أو أي وسيلة حصر أخرى عدا هيكل السفينة ذاتها. وينتج عن هذا الأسلوب في تفكيك السفن، المسمى عادةً "التشطيء"، مستويات عالية من تلوث التربة الساحلية والهواء والبحر والموارد من المياه الجوفية، ويؤثر سلباً على مجتمعات الشوطئ المحلية التي كثيراً ما تعتمد على الزراعة والصيد من أجل البقاء .
عمل قذر وخطير
والعمل في مسافن التقطيع عمل قذر وخطير. ففي كل سنة يموت بسببه عدد هائل من العاملين أو يُـصابون إصابات خطيرة بسبب حوادث متعلقة بالعمل وبأمراض مهنية مرتبطة بالتعرض فترةً طويلةً لمواد خطرة موجودة في السفن المنتهي عمرها. ولا يحصل العاملون عادةً على أي معلومات ولا يتلقون أي تدريب للحفـاظ علـى السلامة. وهم يعيشون في مرافق مؤقتة تفتقر في كثير من الأحيان إلى أبسط الشروط الدنيا كوسائل الإصـحاح والكهرباء وحتى الماء الصالح للشرب. وهناك افتقار عام للمرافق الطبية والحماية الاجتماعية، وبالكـاد يحـصل العاملـون المصابون أو أقرباؤهم على أي تعويض عـن الحوادث المرتبطة بالعمل التي تنجم عنها إصابات مُهلكة أو حالات إعاقة دائمة.

تقطيع مكونات السفن
ويمثل تقطيع مكونات السفن، إذا ما تم بطريقة آمنة وسليمة بيئياً، أ فضل أسلوب للتخلص من المراكب المنتـهي عمرها. وهو ممارسة مستدامة في حد ذاتها، نظراً لإمكانية إعادة تدوير 95% من كل سفينة، إذ تعاد دلفنة الحديد الصلب ويستخدم في البناء؛ ويعاد استخدام الآلات والمعدات؛ ويعاد استعمال أو تدوير الزيوت والوقود بأنواعه. ويوفر إعادة تدوير السفن أيضاً فرص عمل لعشرات الآلاف من الأشخاص.
وطبقا لمصادر تقرير حقوق الإنسان فان عدد العاملين مباشرة في مسافن التقطيع و ورشها يقدر بنحو 30 ألف عامل حول العالم، بينما يعمل ما بين 100ألف شخص إلى 200ألف شخص في مختلف الأعمال التجارية المرتبطة بأنشطة بإعادة تدوزالسفن .
ويؤكد التقرير أن هناك قلقا متعاظما نشأ بسبب الظروف التي يتم فيها إعادة تدوير السفن، فبالرغم من ارتفاع درجـة الوعي الدولي بهذه المسألة في السنوات الماضية، فإن تقطيع السفن لا يزال أحد أخطر المهن في العـالم.
تدوير السفن صناعة مهمة
يعتبر إعادة تدوير السفن أو تقطيع مكوناتها صناعة مهمة بالنسبة للبلدان النامية، خاصةً في جنوب آسيا . فهي تمثِّل مصدراً مهما إذ توفِّر فرص عمل لعشرات الآلاف من الأشخاص و لتوريد المواد الخام..
وتقطيع مكونات السفن ممارسة مستدامة في حد ذاتها ، نظـراً لإمكانية إعادة تدوير أكثر من 95% من كل سفينة. . فتُعاد دلفنة الحديد الصلب ويُستخدم في البناء؛ ويُعـاد استخدام الآلات والتجهيزات، ويُعاد استعمال أو تدوير الزيوت والوقود بأنواعه. وفي حين أن إعادة تدوير المراكب المنتهي عمرها يمثِّل من حيث المبدأ الخيار الأفضل بالنسبة للسفن التي بلغت نهاية عمرها التشغيلي، فإن ممارسات العمل البالغة الرداءة والظروف البيئية السائدة في معظم المسافن لا تزال مصدر قلق واسعا لدى المجتمع الدولي .
رغم كل المحاولات الدولية الجادة من منظمة حقوق الانسان والأمم المتحدة ومنظمات بحرية دولية واقليمية ومنظمات انسانية وبيئة وصحية طوال عقود من السنوات إلا أن قضايا عمال تكسير السفن ترواح مكانها مع اتفاقيات لم تتمكن من منع تدوير السفن الهالكة أو توفير بيئة صحية وحياتية افضل وشروط حياة افضل بسبب افتقار عدد من تلك الإتفاقيات إلى بنود محددة واضحة تمنع التدوير او تحسن شروطه حتى ان إتفاقية بازل التي وقعت في 1989 لم تتمكن من ايجاد حل ناجع، وتبعتها إتفاقيات اخرى مثل اتفاقية هونق كونق وروتردام واستكهولم ولم تحقق الغرض المرجو.. وهناك العديد من التوصيات في تقارير حقوق الإنسان وجهات عالمية للوصول إلى حلول ناجعة عاجلة تنقذ الألاف من العمال من الأمراض الخطيرة وتحقق السلامة المهنية والبيئة الصحية السليمة والتأمين الصحي والعلاج
.
التآزر بين اتفاقيتي بازل وروتردام واستكهولم
لقد ارتقت إدارة المواد الكيميائية الخطرة والنفايات الخطرة اخيرا وبعد سنوات من البطء في التنفيذ إلى مرتبة أعلى في جدول الأعمال السياسي الدولي في سياق الإدارة البيئية. ويعود الفضل الكبير في ذلك إلى ما أصبح يعرف باسم عملية "التآزر" بين اتفاقية بازل واتفاقية روتردام لتطبيق إجراء الموافقة المسبقة عن علم على مواد كيميائية ومبيدات آفات خطرة معينة متداولة في التجارة الدولية واتفاقية استكهولم المتعلقة بالملوثات العضوية الثابتة. وقد توِّجت عدة سنوات من المداولات في إطار عملية قادتها الأطراف، بالاجتماعات الاستثنائية المتزامنة الناجحة لمؤتمرات الأطراف في اتفاقيات بازل وروتردام واستكهولم التي عقدت في بالي من 22 إلى 24 شباط/فبراير 2010 . وكانت تلك الاجتماعات هي الأولى من نوعها في تاريخ المعاهدات الدولية وأبرز معالم عملية التآزر حتى الآن، كما قدمت توجيهات إلى البلدان لتنفيذ الاتفاقيات الثلاث بطريقة أكثر شمولاً وتنسيقاً. ووحدت الاتفاقيات قواها للتصدي بطريقة أفضل للتحدي المتمثل في الإدارة السليمة بيئياً للمواد الخطرة في مختلف مراحل دورة حياتها.
منظمات وآليات وأطر دولية تنظيمية
وفي العقد الأخير كانت عدة منظمات وآليات قد ساهمت في وضع إطار تنظيمـي دولي يرمـي إلى التصدي لأسباب القلق الخطيرة هذه. وقد تُوِّجَت تلك الجهود باعتماد اتفاقية هونغ كونغ الدولية بشأن إعـادة تدوير السفن بطريقة آمنة وسليمة بيئياً في 15 مايو2009 برعاية المنظمة البحرية الدولية .
وتمثل الاتفاقية الجديدة خطوة إيجابية باتجاه إنـشاء نظـام مـن الضوابط قابل للتنفيذ الغاية منه ضمان جعل السفن المنتهي عمرها لا تشكل أخطاراً لا ضرورة لها على صـحةالإنسان أو البيئة عندما يتم تخريدها. بيد أن المقرر الخاص يرى أن هذه الاتفاقية الجديدة وحدها لا تكفي لتحقيق تحسن كبير في ممارسات العمل السائدة في مسافن تقطيع مكوناتها أو في التخلص من التلوث البيئي الخطير الذي تتسبب فيه مسافن إعادة التدوير.
المقرر الخاص لحقوق الإنسان.. جهود مبذولة
وقد دعا المقرر الخاص لحقوق الانسان جميع أصحاب المصلحة المعنيين بهذا الأمر، بمَن فيهم دول مسافن تدوير السفن ودول العَلم وقطاع تدوير السفن والمنظمات الدولية إلى النظر في اعتماد تدابير إضافية وتنفيذها من أجل التصدي للآثار السلبية لتقطيع مكونات السفن التي لم تتطرق إليها الاتفاقية الجديدة.
وقد تقرر أن يضطلع المقرر الخاص لحقوق الانسان بمهمة التحقيق في تحركات نقل و إلقاء المنتجات والنفايات الخطرة عَـبر الحدود وداخل البلدان لما له من آثار ضارة بالتمتع بحقوق الإنسان . وزيادة على ذلك، يطلب القرار إلى المقرر الخاص أن يدرس الآثار الضارة التي يُحتمل أن تنجم عن جميع المنتجات والنفايات الخطرة، مشروعة كانت أم غير مشروعة .
لقد أكدت العديد من التقارير من منظمة حقوق الانسان ومن الأمم المتحدة وعدد من المنظمات الدلوية والإقليمية على أن لأنشطة تقطيع مكونات السفن الكثير من الآثار الضارة للأشخاص الذين يعملون في المسافن أو يعيشون على مقربة منـها، بحقوق الإنسان.
وهناك سعي جاد من هذه الجهات مع جهود منظمة حقوق الانسان لحل المشاكل الرئيسية المرتبطة بالأساليب المتبعة حالياً في تفكيك السفن من أجل إحداث تحسن حقيقي وملموس في ممارسات العمل السائدة في قطاع تفكيك السفن وكذلك في الإدارة السليمة بيئياً للنفايات الناتجة عن هذا القطاع .
إتفاقية بازل-لم تنجح في ملف ادارة اعادة تدوير السفن
في مارس 1989، تم اعتماد اتفاقية بازل بشأن التحكم في نقل النفايات_الخطرة والتخلص منها عبر الحدود لكي تضع ضوابط للنقل الدولي للنفايات الخطرة، وتُمكنُ من إدارتها بشكل سليم ومراعٍ للبيئة،إلا أنها لم تنجح أو غير مناسبة لتحديد المعايير الدنيا لإعادة تدوير السفن، بحسب دراسة أجرتها شركة Global Marketing Systems DMCC ، إذ لا تحتوي اتفاقية بازل على أي متطلبات ذات صلة بالسفن ومرافق إعادة تدوير السفن، كما أنها لا تهتم بالمسائل المتعلقة بسلامة العمال.. إن الشرط الوحيد ذي الصلة لاتفاقية بازل بإعادة تدوير السفن هو شرطها العام الذي يقضي بضرورة إدارة النفايات بطريقة سليمة بيئيا . كما نلحظ أن دولة العَلم ليس دور في تنفيذ إتفاقية بازل .
آلية تحقيق الموافقة المسبقة
تعتمد آلية تحقيق "الموافقة المسبقة" وفق الإتفاقية على إقامة اتصالات بين سلطات البلدان المصدرة والمستوردة، والتي عند تطبيقها على السفن المنتهية الصلاحية، تعني عمليا سلطات الدولة التي تنطلق منها السفينة في رحلتها الأخيرة، وسلطات الدولة حيث ستتم عملية إعادة التدوير.
لوائح الإتحاد الأوروبي
يدخل الاتحاد الاوروبي طرفا مهما في قضايا تدوير وتقطيع مكونات السفن حيث اجتهدت دول الاتحاد الاوربي في منعها بشكل مباشر، ولكن بطريقة غير مباشرة او بالتحايل حيث أن95 في المئة من البواخر المنتهية صلاحيتها في الاتحاد الاوروبي اتجهت إلى عدد من دول جنوب اسيا لإعادة تدويرها.
الاتفاقية الجديدة للمنظمة البحرية الدولية الجديدة
يرى المقرر الخاص في اتفاقية المنظمة البحرية الدولية الجديدة بشأن إعادة تدوير السفن خطوة إيجابية باتجاه
إنشاء نظام تنظيمي قابل للإنفاذ يرمي إلى ضمان حماية صحة وسلامة العاملين وإلى الحفاظ على البيئة ويشجع الدول
الأعضاء في المنظمة البحرية الدولية على اتخاذ جميع الخطوات المناسبة للتصديق على الاتفاقية ضمن أجل معقول .
كما يرى المقرر الخاص أن إعادة تقطيع السفن مسألة تقتضي حلاً عالمياً بتضافر كل الجهود الدولية والقارية والاقليمية وتنفيذ كافة الاتفاقيات المعدلة والجديدة والتوصيات المقدمة من المنظمة الدولية البحرية ومقرر حقوق الانسان. . وتتلخص تلك التوصيات في تأسيس صندوق لصالح المتضررين من العاملين في إادة تدوير السفن لعلاج المرضى ورعاية أسرهم وعوائلهم وايجاد فرص حياة كرمةلهم، وتحسين بيئة العمل وتوفير السلامة المهنية والامان لهم وأن تُصنع السفن بمواصفات تتجنب المواد الكيمائية ..التصنيع الأخضر.