قصة حب وملاريا ورصاص: كيف قاد السودان الصحفي الأيرلندي ديكلان والش إلى قمة الصحافة العالمية وحصد جائزة بوليتزر؟  

ديفيد ريشكي – صحيفة مايو نيوز الايرلندية  

image-201.jpeg

 

تعود عقارب الساعة إلى عام ١٩٩٨، حين كان “ديكلان والش”، ابن مدينة بالينا، يخطو خطواته الأولى في عالم الصحافة كمراسل شاب لصحيفة “صنداي بيزنس بوست”. خلال رحلة خاصة إلى كينيا، قادته الأقدار ليعبر الحدود نحو السودان، وهناك قام بإعداد تقرير ميداني حول الصراع الدائر .

يستذكر والش تلك اللحظات في حديثه لصحيفة “مايو نيوز” قائلاً: “كنت أحاول تتبع أثر كاهن أيرلندي سابق ترك سلك الكهنوت، وتزوج سيدة سودانية، وكان ينشط ضمن منظمة إغاثية في الجنوب. قادتني تلك المطاردة للرجل الذي يُدعى ‘داني’ لقضاء أسبوعين كاملين في منطقة تمزقها الحرب الأهلية في جنوب السودان آنذاك ”.

تركت تلك القصة أثرا لا يمحى في نفس والش، وأدرك حينها أن شغفه الحقيقي يكمن في العمل كمراسل أجنبي في القارة السمراء. وحين عاد إلى دبلن ليخبر مديره بقراره، جاء الرد صادماً: “أنت مجنون !”.

حاول المحرر ثنيه عن قراره واصفاً الفكرة بالسيئة، وحذره قائلاً: “إذا ذهبت إلى أفريقيا، ستدمن الشرب ، وستفتك بك الملاريا، وستقع في غرام امرأة محلية تتزوجها ولن تعود إلى وطنك أبداً”. كان ذلك في ذروة حقبة “النمر السلتي”، حيث كان الاقتصاد الأيرلندي يزدهر وتتدفق الأموال بغزارة، وكانت الصحيفة تحقق نجاحات كبيرة .

لكن عزيمة والش كانت أقوى. والمفارقة، كما يعترف والش، أن محرره كان محقاً في جانبين من نبوءته: “زوجتي سودانية بالفعل، وتزوجنا في حفل بالقرب من ويستبورت، كما أنني أصبت بالملاريا مرتين ”.

إهمال مروع  

خاض والش مسيرة مهنية حافلة بالمخاطر والإنجازات، حيث نقل الأخبار من بؤر التوتر في أفغانستان، وباكستان، وإيران، والعديد من الدول الأفريقية. ومنذ عام ٢٠١٩، يتبوأ منصب كبير مراسلي الشؤون الأفريقية في صحيفة “نيويورك تايمز ”.

شملت تغطياته الحديثة المشهد السياسي في كينيا والاضطرابات في شرق الكونغو الديمقراطية، إلا أن تركيزه الأكبر خلال العامين الماضيين انصب على الحرب الطاحنة في السودان. وتتويجاً لهذا الجهد الاستقصائي العميق، نال والش وفريقه جائزة “بوليتزر” المرموقة في فئة التقارير الدولية في مايو الماضي. كما كرمته جامعة مدينة دبلن في أكتوبر بمنحه الدكتوراه الفخرية، وحاز على جائزة التميز في تقارير السياسة الخارجية من جامعة جورج تاون .

في كلمته بجامعة جورج تاون، سلط والش الضوء على المأساة السودانية قائلاً: “أرى أن هذا الصراع يعاني من إهمال مروع، خاصة عند النظر إلى حجم الحرب ونطاقها، وفداحة العذاب الذي يواجهه المواطن السوداني البسيط”. ويبدي والش دهشته الدائمة من قدرة الناس على الانفتاح والحديث معه، هو الغريب الذي يظهر فجأة في أسوأ أيام حياتهم، ليشاركوه قصصهم المؤلمة. يقول: “إنه شعور مثير أن تكون شاهداً على التاريخ وهو يُكتب، حتى لو كان تاريخاً لبلد بعيد ”.

ورغم البعد الجغرافي للسودان، فإن الروابط الإنسانية التي يبنيها والش تظل عميقة. يروي قائلاً: “قبل شهر، كنت أغطي حصار مدينة الفاشر غرب السودان. كانت المدينة محاصرة بجدار ترابي ضخم بطول ٤٠ ميلاً شيدته قوات الدعم السريع، مما قطع إمدادات الغذاء والدواء. لم أستطع الوصول جسدياً، لكنني نجحت في التواصل عبر الفيديو مع الدكتور عمر سيليك، الطبيب في آخر مستشفى يعمل بالمدينة ”.

كان اللقاء مؤثراً للغاية؛ حيث أخبره الطبيب أنهم يضطرون لأكل علف الحيوانات للبقاء على قيد الحياة. شكر الدكتور سيليك والش قائلاً: “من الرائع رؤية وجه شخص من العالم الخارجي يهتم لأمرنا وينقل قصتنا”. بقيا على تواصل عبر الرسائل، لكن بعد أيام قليلة، وفي يوم جمعة، استهدفت طائرة مسيرة مسجداً كان يصلي فيه الدكتور سيليك، مما أدى لمقتله مع ٧٥ آخرين. يعلق والش بحزن: “كان وقع الخبر ثقيلاً عليّ. لقد نقلنا خبر الغارة وخبر وفاته ”.

في مرمى القناصة  

لا يخلو عمل ديكلان والش من مخاطر حقيقية. التحدي الأكبر غالباً هو الوصول اللوجستي إلى مناطق النزاع. يوضح والش: “عليك تجاوز العقبات العملية للوصول، والتنقل، وإيجاد المصادر الموثوقة ”.

في زيارة للعاصمة الخرطوم في مارس الماضي، وصل الفريق في توقيت حرج، حيث كان الجيش يشن هجوماً واسعاً لاستعادة المدينة من قوات الدعم السريع. يقول والش: “شهدنا قتالاً ضارياً. كنا نتنقل متسللين إلى مواقع القناصة المطلة على النيل. الخطر كان دائماً، خاصة مع انتشار الطائرات المسيرة (الدرونز) التي غيرت وجه المعارك في أفريقيا بفضل التكنولوجيا القادمة من تركيا والصين وإيران ”.

يشرح والش كيف جعلت هذه الطائرات التغطية الصحفية أكثر رعباً وتعقيداً، فهي تغطي مساحات واسعة وتضرب دون سابق إنذار، مما دفع فريقه للاستعانة بضباط أمن ذوي خبرة قتالية لضمان سلامتهم .

يلمس والش بنفسه كيف أصبح العالم قرية صغيرة بفضل التكنولوجيا وسهولة التنقل والهجرة. يقول خلال زيارته لدبلن: “في كل مرة أعود فيها، أذهل بتنوع الوجوه المهاجرة من حولي. أرى أشخاصاً قادمين من المناطق التي أغطي صراعاتها ”.

ويشير إلى وجود العديد من الكوادر الطبية السودانية في أيرلندا. ومؤخراً، أجرى مقابلة مع طبيب سوداني في “لونغفورد” كان قلقاً على شخص محاصر في منطقة الحرب. يختم والش قائلاً: “مع تقلص العالم، تصبح القصص القادمة من السودان البعيد مرتبطة بشكل وثيق بمجتمعاتنا هنا في أيرلندا ”.

رغم تجواله الدائم، يظل قلب والش معلقاً بمقاطعة مايو، حيث يزور والديه بانتظام خارج ويستبورت. وربما، في يوم ما، قد تحط رحاله نهائياً حيث بدأت قصته .

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان