معتصم فضل عبد القادر.. ابن «هنا أم درمان» الذي آمن بأن المستمع شريك الإبداع

المستمعة-ثناء فضل عبدالقادر - شمبات
لم يكن ذلك الفتى اليافع يدرك، وهو يقف أمام شباك البريد يبعث برسائله إلى برنامج المسابقات الشهير «جرِّب حظك» الذي كان يقدمه الراحل صالحين، أن الأقدار تخبئ له رحلة طويلة مع الميكروفون والكلمة، وأنه سيكون يوماً أحد الذين يتولون قيادة واحدة من أعرق المؤسسات الإعلامية في السودان، وأن اسمه سيصبح جزءًا من ذاكرة أجيال من المستمعين .
ففي العام 1949 جاء معتصم فضل عبد القادر إلى الدنيا، ومنذ سنواته الأولى بدأت تتشكل ملامح مشروعه الإبداعي. وخلال المرحلة الثانوية برزت موهبته في الكتابة للأطفال والأسرة، لتنشأ بينه وبين «هنا أم درمان» علاقة عشق مبكرة، تُوِّجت بالتحاقه بالإذاعة السودانية في نوفمبر 1972، عقب تخرجه في جامعة أم درمان الإسلامية حاصلاً على بكالوريوس الآداب .
أما أولى محطات معرفتي أنا، ثناء فضل عبد القادر، بالأستاذ معتصم فضل عبد القادر، فلم تكن بسبب تشابه الأسماء اللافت، وإنما من خلال تجربته الرائدة في برامج الأطفال، وهي التجربة التي كان لها أثرها في تكوين شخصيتي عبر مشاركاتي ضمن مجموعة الموسيقار سليمان زين العابدين في معظم برامج الأطفال وخاصة المؤسسة الرائدة الأشهر ركن الأطفال صباح كل جمعة ، إذ كان معتصم فضل يؤمن بأن مخاطبة الطفل مسؤولية ثقافية وتربوية قبل أن تكون مجرد مادة إعلامية .
معتصم فضل عبد القادر من أكثر المؤمنين بأن البرنامج الإذاعي هو البطل الحقيقي، وأن المستمع هو البطل القرين. لذلك انصب اهتمامه دائماً على جودة الفكرة والمحتوى، أكثر من الأضواء والأسماء، وهي فلسفة لازمته طوال أكثر من أربعة عقود داخل الإذاعة السودانية .
ويعني اسم معتصم فضل عشرات البرامج والأعمال التي تنوعت بين الثقافة والمنوعات والتاريخ والفنون والدراما، وكان هو والأستاذ الموقر عوض جادين ربنا يمتعه بالصحة والعافية والدكتور صلاح الدين الفاضل من أكثر أبناء الإذاعة قرباً من جمهورها، إذ كانوا يؤمنون بأن نجاح الإذاعة لا تصنعه الأجهزة ولا الموجات، وإنما يصنعه ذلك الرابط الخفي بين الميكروفون والوجدان .
ومن هنا حرص على أن تكون برامجه قريبة من الناس، محافظة على الذوق العام، ومحترمة لعقل المستمع، الأمر الذي أكسبه محبة واسعة وثقة امتدت عبر أجيال متعاقبة .
ولعل ما يميز تجربة معتصم فضل عبد القادر انتماؤه إلى جيل كان يرى أن نجاح المؤسسة أهم من نجاح الفرد، وأن الإذاعة ليست مجرد وسيلة بث، بل مدرسة ورسالة وذاكرة وطن. لذلك ارتبط اسمه بالمهنية والهدوء والعمل خلف الكواليس، بقدر ارتباطه بالإبداع والحضور أمام المستمع .
ولهذا كله، بقي واحداً من أبناء «هنا أم درمان» الأوفياء، ومن الشخصيات التي أسهمت في تشكيل الوجدان السوداني وصناعة جزء مهم من ذاكرة المستمع السوداني الحديثة .
ومن الجوانب اللافتة في مسيرته علاقته الوثيقة بالفنانين والشعراء والموسيقيين، إذ كان ينظر إلى الإذاعة باعتبارها بيتاً للإبداع السوداني ومظلة جامعة لأهله. وقد ارتبط اسمه ببرنامج «ألحان» الذي تولى إعداده وتقديمه، ليصبح أحد أهم البرامج الفنية المتخصصة، ومرجعاً لعشاق الأغنية السودانية .
كما عرف بقربه من كبار رموز الفن السوداني، ومنهم محمد وردي، ومحمد الأمين، وسيد خليفة، وأبو عركي البخيت، والكابلي، وزيدان إبراهيم، وإبراهيم عوض، وحمد الريح، وكان حريصاً على توثيق تجاربهم وإفراد المساحات المناسبة لإبداعاتهم، انطلاقاً من إيمانه بأن الأغنية السودانية جزء أصيل من الهوية الوطنية .
وعلى مستوى الشعر والثقافة، نسج علاقات متميزة مع عدد من الشعراء والكتاب، وأدرك أن الكلمة الجيدة هي الأساس الذي يقوم عليه العمل الإذاعي الناجح، فعمل على استقطاب الأقلام المتميزة وإفساح المجال أمامها، مما أسهم في إثراء المحتوى الثقافي والفني للإذاعة السودانية .
ومن البرامج التي ارتبطت بتجربته أيضاً «كلمات وألحان»، و«رحيق السنين»، و«شخصيات خلدها التاريخ»، وهي أعمال جمعت بين التوثيق والثقافة والمتعة الفنية، وأصبحت جزءاً من ذاكرة المستمع السوداني .
ومن الجوانب التي لا يعرفها كثيرون عن الأستاذ معتصم فضل عبد القادر، إيمانه العميق بضرورة منح الفرصة للأصوات الجديدة، وعدم احتكار المساحة الإعلامية للأسماء الكبيرة، إذ أسهم عبر مواقع مختلفة داخل الإذاعة في تقديم وإبراز عدد من المواهب الشابة في مجالات التقديم الإذاعي والغناء والإخراج والانتاج البرامجي مؤمناً بأن استمرارية الإبداع لا تتحقق إلا بتجدد الأجيال وتعاقبها .
كما نسج علاقة وجدانية خاصة مع جمهور الاستماع من خلال برنامج «الإذاعة والمستمع»، إذ كان يتابع بنفسه الرسائل والمداخلات بروح ودودة تعكس إيمانه بأن نجاح الإذاعة يقوم على الشراكة الحقيقية بين الميكروفون والجمهور .
وأستعيد هنا، بكل اعتزاز، ذلك الصباح من إحدى حلقات يوم الجمعة، من برنامج الاذاعة والمستمع حينما غادر مقعده مديراً للبرامج، ودخل الأستوديو بنفسه ليرد على مداخلة تلفونية شهيرة لشخصي قدمتُ خلالها نقداً صريحاً ومباشرا لبعض البرامج والإذاعيين واقترحت حينها بعض المبادرات ومنذ ذلك اليوم ارتبط اسمي بالاذاعة ، وأصبح تشابه الأسماء الثلاثي مثار تساؤلات كثيرة حول صلة القرابة بيننا، قبل أن تكشف المصادفات الجميلة أن والدينا فضل عبدالقادر عملا معاً في مصلحة البريد والبرق، وربطتهما علاقات صداقة ومودة وذكريات ممتدة .
ومن خلال الأستاذين الجليلين عوض جادين وصلاح الدين الفاضل، ومن خلال تجربة الأستاذ معتصم فضل عبد القادر، تعلمنا أن المستمع شريك أصيل ومتقدم في العملية الإبداعية، وأن الرسائل والمداخلات والملاحظات تمثل نبض الشارع ومرآة تأثير البرامج في وجدان الناس .
ومن هذه الرؤية ولدت علاقات مهنية وإنسانية جميلة، بيننا كمستمعين وبين هنا أمدرمان أنتجت مبادرات وزيارات وتبادل للأفكار والمقترحات، وصفحات من الذكريات الخالدة والموثقة، وما زلنا حتى اليوم ننهل من ذلك البحر العذب .
لقد آمن معتصم فضل عبد القادر بأن الكلمة أمانة، وأن الإذاعة رسالة، وأن المستمع هو الشريك الحقيقي في نجاحها، ولذلك لم يكن مجرد إداري أو مخرج أو مدير برامج، بل كان واحداً من بناة الوجدان السوداني، ومن الحراس الأوفياء لذاكرة الوطن، ومن أولئك الذين يتركون أثرهم في الناس بصمت، فتظل أسماؤهم حاضرة في القلوب قبل أن تبقى في سجلات التاريخ كعالمة فارقة في العمل الاذاعي الإبداعي ،
أخي في الابداع وشقيقي في محبة السمع معتصم فضل عبدالقادر لك مني خالص التقدير ونبيل الأمنيات بالصحة والعافية .