مس خا… الصينية التي أحبّت السودان حتى قالت: أنا سودانية  

المهندس ابر اهيم الأمين  خلف الله  

image-968.jpeg

 

في حياتي، وخلال أكثر من خمسة عشر عاماً قضيتها في مدينة قوانزو بالصين، التقيت بالعديد من الأشخاص، لكن قليلون منهم تركوا أثراً حقيقياً في قلبي وقلوب من حولهم. ومن هؤلاء الأشخاص القلائل، تبرز سيدة الأعمال الصينية “مس خا”، أو كما يحب السودانيون مناداتها بـ“فاطمة”، المرأة التي لم تكتفِ بأن تكون ناجحة في عملها، بل اختارت أن تكون قلباً نابضاً بالمحبة تجاه السودان وأهله .  

 

عرفت مس خا عن قرب، ورأيت كيف يمكن لإنسان أن يجتاز الحدود الثقافية والجغرافية ليصل إلى قلوب الآخرين. كانت دائمًا حاضرة بين السودانيين في قوانزو، تشاركنا أفراحنا وأحزاننا، وتتعامل معنا بكل لطف ودفء وكأننا أهلها، تقول دائمًا بعفوية وصدق: “أنا سودانية ”.  

 

حب لا يُشترى ولا يُصطنع  

مس خا لم تتحدث عن السودان كبلد بعيد، بل وكأنه وطنها الأول. هذه العبارة البسيطة التي تقولها بين الحين والآخر ليست مجرد كلمات، بل إحساس حقيقي نراه في تصرفاتها ومواقفها اليومية. كل السودانيين في قوانزو يعرفونها ويحبونها حباً صادقاً، لأنها لم تكن يوماً بعيدة عن تفاصيل حياتهم، بل كانت دائمًا بينهم، تشاركهم في مناسباتهم، وتواسيهم في أحزانهم، وتفرح معهم في أفراحهم .  

 

حاضرة في كل المناسبات… واحدة منا  

ما يميز مس خا ليس فقط دعمها، بل حضورها الإنساني الفعلي. في كل عيد، في كل احتفال وطني، وفي كل فعالية ثقافية للجالية السودانية، نجدها هناك، مبتسمة، أنيقة، متألقة، وكأنها تقول بالفعل قبل القول: أنا جزء منكم. لقد أصبحت من الرعاة الرسميين للعديد من احتفالات الجالية، تدعم بسخاء ودون انتظار مقابل، لأنها ترى في دعم السودانيين واجباً إنسانياً قبل أن يكون موقفاً اجتماعياً .  

 

وليس حضورها الجميل فقط هو ما يميزها، بل شخصيتها الشابة، ابتسامتها الدائمة، وأناقتها، وطيبتها التي تشعر بها كل من يقترب منها. إنها فعلاً واحدة منّا، ونحن نشعر بذلك في كل لقاء وكل مناسبة .  

 

عطاء في زمن الأزمات  

مس خا أثبتت معدنها الحقيقي في أصعب الأوقات. خلال جائحة كورونا، عندما كانت الحاجة ماسة إلى الدعم الطبي والإنساني، كانت من أوائل الداعمين للسودان، حيث قدمت مساعدات كبيرة وصلت إلى من هم بأمس الحاجة إليها. لم يكن دعمها رمزياً، بل فعلياً وملموساً .  

 

ولم يتوقف عطاؤها عند ذلك، بل خلال فترة الحرب، ساعدت العديد من الأسر الفقيرة والمحتاجين، ووقفت بجانب السودانيين في وقت كانوا فيه بأمس الحاجة إلى يد العون. موقفها هذا يعكس عمق إنسانيتها وصدق ارتباطها بالسودان .  

 

زيارة للوطن… وتعزيز الروابط  

حب مس خا للسودان لم يكن حباً عن بعد، بل قررت أن تزور البلاد وتلتقي بالناس، لتشهد عن قرب حياة السودانيين وتشاركهم لحظاتهم. تم توثيق زيارتها عبر لقاءات إعلامية في تلفزيون السودان وقناة النيل الأزرق، حيث عبّرت عن تعلقها العميق بالسودانيين وعن حبها الذي يجعلها تشعر فعلاً وكأنها واحدة منهم .  

image-966.jpeg  

عمل وإنجاز… وقلب معطاء  

مس خا ليست مجرد سيدة أعمال ناجحة في تصنيع الأبواب والمطابخ فحسب، بل هي قصة إنسانية ملهمة. إنها امرأة شابة، أنيقة، مبتسمة، تجمع بين قوة النجاح في العمل ودفء التعامل الإنساني، ما يجعلها مثالاً نادراً للمرأة التي تمزج بين المهنية والعطاء الاجتماعي .  

 

لقد ساعدتنا كثيراً، وكنت دائماً أشعر وفريق الجالية بالفخر لأننا نعرف أن لدينا شخصاً مثل مس خا بيننا، شخصاً يشاركنا الأعياد والمناسبات، ويقف معنا في الأوقات العصيبة. لقد أصبحت بالنسبة لنا بمثابة فرد من العائلة، وعبر كلماتها: “أنا سودانية… وأنتم عائلتي”، شعرت أننا نمتلك قلباً نابضاً بالمحبة والوفاء معنا. ولو كان الأمر بيدي، لمنحتها الجواز السوداني تقديراً لحبها للسودان وأهله .  

image-967.jpeg  

ختاماً  

في حياتنا نلتقي بالكثير من الناس، لكن قلة منهم يتركون أثراً لا يُنسى. مس خا واحدة من هؤلاء القلة، التي سكنت قلوب السودانيين بمحبتها، وكتبت اسمها في ذاكرتنا بمواقفها الإنسانية. هي ليست فقط صديقة للسودان، بل واحدة من أهله، وأيقونة للعطاء والمحبة الذي يتجاوز الحدود .  

 

     

 

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان