الجمعة في السودان… عندما يعود القلب إلى مكانه
المهندس ابراهيم الأمين خلف الله

هناك أشياء لا نشعر بقيمتها إلا حين نبتعد عنها طويلاً. قد نسافر، وقد نعيش في بلدان كثيرة، وقد نتأقلم مع أنماط حياة مختلفة، لكن تبقى بعض التفاصيل الصغيرة مرتبطة بالوطن وحده. بالنسبة لي - ولآلاف السودانيين الذين شردتهم الحرب – كانت الجمعة في السودان واحدة من تلك الأشياء التي لا يمكن تعويضها في أي مكان آخر .
خرجت من السودان في مثل هذه الأيام قبل ثلاث سنوات تقريباً، قبل أسبوع واحد فقط من اندلاع الحرب التي ألمّت ببلادنا الحبيبة. وطبيعة عملي كانت دائماً تجعلني كثير السفر؛ أتنقل بين عدد من الدول وأعود إلى السودان باستمرار. لم يكن الغياب يوماً طويلاً أو ثقيلاً، لأن العودة كانت دائماً قريبة .
لكن هذه المرة كانت مختلفة .
ثلاث سنوات كاملة خارج السودان بسبب تلك الحرب اللعينة، ومثلي كثيرون هاجروا ونزحوا قسراً، يحملون الحنين في صدورهم والذكريات في قلوبهم .
وخلال تلك السنوات مرت علينا جمعٌ كثيرة… لكنها في الحقيقة لم تكن جمعة السودان .
كنا نصلي صلاة الجمعة في المساجد خارج الوطن، نعم، لكن اليوم نفسه كان يشبه بقية الأيام. لا تلك الروح، ولا تلك اللمة، ولا ذلك الشعور العميق بأن الجمعة عيد صغير يجتمع فيه الناس والقلوب .
حتى عدت أخيراً إلى السودان .
وعندما حضرت أول جمعة في بلادي، أدركت حقيقة غريبة :
كأن ثلاث سنوات كاملة مرت دون أن تمر عليّ جمعة حقيقية .
صباح الجمعة… بداية العيد
في السودان تبدأ الجمعة مبكراً .
ليست مجرد يوم للصلاة، بل يوم للصلة واللمة والبركة .
تبدأ الحكاية في البيت الكبير، حيث يجتمع الوالد والوالدة، والأخوان والأخوات، وأبناؤهم. لمة أسرية خالصة، مليئة بالابتسامات والأنس. نلتقي وكأننا لم نلتق منذ زمن طويل، رغم أن بعضنا قد يكون التقينا قبل أيام .
الجمعة بالنسبة لنا عيد .
نرتدي الجلاليب السودانية البيضاء النظيفة، التي لها هيبة ووقار خاص. تنتشر روائح العطور الطيبة في البيت، ويجلس الجميع يتبادلون الحديث عن أحوال الأسرة، ويستعرضون تفاصيل الأسبوع الذي مضى :
من سافر، من عاد، من نجح، ومن يحتاج إلى المساعدة .
هي جلسة بسيطة، لكنها مليئة بالدفء الذي لا يمكن أن تصنعه المدن الكبيرة ولا الحياة السريعة .
وقبل أن نخرج للصلاة، تقف والدتي – حفظها الله – عند الباب تودعنا بدعواتها الطيبة، وهي تقول بصوتها الحنون :
“ ربنا يديكم الصحة والعافية، ويحفظكم ويحفظ أولادكم .”
دعوات الأمهات… هي الزاد الحقيقي في هذه الحياة .
هي الطاقة التي تدفعنا إلى الأمام، والقوة التي تحيطنا ونحن لا نشعر .
مسجد الشيخ سرحان… ذاكرة المكان
منذ أن وعيت على الدنيا، وأنا أصلي الجمعة في مسجد الشيخ سرحان في الجريف شرق .
مسجد عتيق وعريق، يحمل تاريخاً طويلاً وذكريات أجيال كثيرة .
وسُمّي باسم الشيخ سرحان، ذلك الرجل الفقيه التقي النقي، الذي ترك أثراً كبيراً في هذه المنطقة، وسأتحدث عنه في مقال خاص إن شاء الله .
ارتباطنا بهذا المسجد ليس ارتباطاً عادياً، بل هو ارتباط وجداني عميق .
كثير من أهلنا انتقلوا للسكن في أحياء أخرى خارج الجريف شرق، وأصبحوا قريبين من مئات المساجد الأخرى… لكن عندما يأتي يوم الجمعة تحديداً، يتركون كل تلك المساجد ويعودون إلى الجريف شرق ليصلوا في مسجد الشيخ سرحان .
كأن للمكان نداءً خاصاً لا يسمعه إلا من عاش فيه .
طقوس قديمة لا تتغير
للمسجد عدة أبواب .
والغريب أن لكل شخص باباً اعتاد الدخول منه منذ سنوات طويلة .
بل إن كثيراً من المصلين لهم أماكن محددة يجلسون فيها دائماً، وكأنها طقوس غير مكتوبة توارثها الناس عبر الزمن .
عندما تدخل المسجد تشعر بأنك في مجتمع يعرف بعضه بعضاً جيداً .
الوجوه مألوفة .
التحيات صادقة .
والألفة حاضرة في كل زاوية .
خطبة الجمعة… مدرسة في البيان
من الأشياء المميزة في مسجد الشيخ سرحان خطبة الجمعة .
اختيار الخطيب في هذا المسجد يتم بعناية كبيرة .
فليس من السهل أن تقف على منبره .
لكي تكون خطيباً في هذا المسجد، يجب أن تكون متمكناً في العلم، متفقهاً في الدين، وقادراً على الخطابة بلغة عربية سليمة وأسلوب مقنع .
فالمصلون في هذا المسجد من أهل العلم والثقافة والتدين، ولن تقنعهم خطبة ضعيفة أو كلمات مرتجلة .
وقد مر على هذا المسجد عدد من الخطباء الأفذاذ، الذين تركوا أثراً طيباً في نفوس الناس، منهم :
• مولانا الفكي الطيب
• الأستاذ طراف جادكريم
• الخليفة عوض عباس
• الأستاذ عمار عثمان والباشمهندس عمر موسى جادكريم .
وغيرهم من الخطباء الذين كانوا يمتعون الناس بخطب جميلة، رصينة، مليئة بالحكمة والعلم
بَعد الصلاة… عيد حقيقي
عندما تنتهي الصلاة، تبدأ لحظة جميلة لا تتكرر في كثير من الأماكن .
يقف المصلون ويتصافحون جميعاً .
مئات الأيدي تتصافح، ومئات الابتسامات تتبادل التحية، وكأن الناس لم يلتقوا منذ زمن طويل .
تشعر في تلك اللحظة أن الجمعة عيد فعلاً .
بعد ذلك ينتظم المصلون في حلقة مديح، يستمعون فيها إلى مديح المصطفى صلى الله عليه وسلم. أصوات المادحين تملأ المكان بالسكينة، والقلوب تخشع في تلك اللحظات الجميلة .
ثم يخرج الناس من المسجد، لكن أحداً لا يذهب مباشرة إلى بيته .
تجد الأصدقاء يقفون في مجموعات صغيرة أمام المسجد :
ضحكات، أحاديث، أخبار، ومودة صادقة .
زيارات الجمعة
بعد ذلك تبدأ جولة الزيارات .
نزور بعض بيوت الأهل، زيارات سريعة لكنها مليئة بالمحبة .
ثم نتجه إلى محطة ثابتة في برنامج الجمعة منذ أكثر من عشرين عاماً .
بيت الأخ عصام الحاج .
ذلك البيت العامر لم تُغلق أبوابه يوماً .
بيت مفتوح للجميع، يجتمع فيه الشباب والكبار، وتلتقي فيه الأجيال في جو من الكرم والأنس والوفاء .
هناك تستمر اللمة، وتستمر الحكايات، وتستمر الضحكات .
عندما عدت… عرفت معنى الجمعة
بعد ثلاث سنوات من الغياب، عشت هذه التفاصيل مرة أخرى .
وعندها فقط أدركت شيئاً مهماً :
الجمعة خارج السودان قد تكون صلاة …
لكن الجمعة في السودان حياة كاملة .
هي الأسرة، والمسجد، والجيران، والأصدقاء، والذكريات، والضحكات، والدعوات .
هي شعور لا يمكن أن تصنعه المدن الغريبة، ولا تعوضه حياة الاغتراب .
في تلك اللحظة شعرت أنني استعدت شيئاً كان مفقوداً .
شعرت أنني عدت فعلاً إلى الوطن .
رسالة إلى السودانيين في الخارج
إلى كل السودانيين الذين فرقتهم الحرب وأبعدتهم عن بلادهم …
نعلم أن الغربة صعبة، وأن الظروف أجبرت كثيرين على الرحيل. لكن السودان سيبقى دائماً بيتنا الكبير الذي ينتظر أبناءه .
الحمد لله أن بلدنا بدأت تستعيد أمنها، ونسأل الله أن تكتمل الطمأنينة والاستقرار .
السودان لا يبنى إلا بأهله .
ولا تعود الحياة إليه إلا بعودة أبنائه .
عودوا إلى بيوتكم …
إلى مساجدكم …
إلى جيرانكم …
إلى جمعاتكم التي لا تشبه أي جمعة في العالم .
نسأل الله أن يلم شمل السودانيين جميعاً، وأن يعيد كل غائب إلى وطنه سالماً مطمئناً، وأن يحفظ السودان وأهله، وأن ينصر قواتنا المسلحة، وأن يجعل أيامنا القادمة أيام خير وسلام وبركة .
فالجمعة في السودان ليست يوماً …
بل روح وطن .