رحيل القامة أستاذ الأجيال القامة البروفيسور عبدالحميد محمد لطفي
" إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ "
ببالغ الحزن والأسى، ينعى الوسط الطبي الأكاديمي في السودان، والمملكة العربية السعودية، والعالم العربي، قامة علمية شامخة، ومربياً فذاً، وعالماً أثْرى البشرية بعلمه وخُلُقه؛ البروفيسور عبد الحميد محمد لطفي، أستاذ الجراحة والتشريح الشهير، الذي لبّى نداء ربه بعد مسيرة استثنائية حافلة بالعطاء والتميز والتواضع .
لقد فقدنا اليوم رجلاً لم يكن مجرد طبيب بارع، بل كان "أيقونة" وطنية وإنسانية، ونموذجاً يُحتذى به في التمسك بالهوية والأصالة .
صفحات مضيئة من مسيرة "أستاذ الأجيال ":
النشأة والبدايات :
وُلد الراحل في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي في قلب أم درمان النابض ("حي العمدة")، وترعرع في بيئة سودانية أصيلة. تلقى تعليمه في مدرسة "وادي سيدنا" الثانوية العريقة ونال شهادة كمبردج البريطانية بتفوق، قبل أن يلتحق بكلية الطب بجامعة الخرطوم عام 1953، ليكون ضمن دفعة تاريخية ونوعية ضمّت 16 طالباً فقط من نوابغ البلاد .
رحلة العلم العالمية :
بعد تخرجه، شدّ الرحال إلى بريطانيا ونال زمالة كلية الجراحين الملكية وتخصص في الجراحة العامة. وبفضل نبوغه، عمل أستاذاً ومحاضراً للتشريح الجراحي في كبرى الجامعات؛ فتنقل بين جامعة الخرطوم، والجامعة الأمريكية في بيروت، وعدة جامعات ومستشفيات بريطانية وأيرلندية، تاركاً في كل محطة بصمة علمية لا تُمحى .
غرس العطاء في أرض الحرمين (41 عاماً من البناء) :
في عام 1977، انتقل البروفيسور عبد الحميد إلى المملكة العربية السعودية، وتحديداً إلى جامعة الملك فيصل بالدمام (جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل حالياً). وهناك، وعلى مدار أكثر من أربعة عقود (حتى عام 2018)، أشرف على تأسيس وتطوير المناهج الطبية وتدريس مادة التشريح الجراحي، وتخرّجت على يديه أجيال وأجيال من استشاريين وكبار الأطباء السعوديين والعرب الذين يقودون المنظومة الصحية اليوم .
مواقف وطنية مشهودة :
لم يكن الراحل بعيداً عن واجبات أمته؛ فقد خدم كضابط طبيب في السلاح الطبي السوداني، وكان ضمن القوات السودانية الباسلة التي أرسلتها الجامعة العربية إلى دولة الكويت عام 1961 لحمايتها وتأمينها عقب الاستقلال .
العمامة السودانية.. رمز الاعتزاز بالهوية :
لعل أبرز ما كان يميّز البروفيسور عبد الحميد لطفي، هو تمسكه الصارم والمبهر بهويته السودانية. فرغم عيشه لعقود في بريطانيا وأمريكا والسعودية، ورغم العروض المغرية لمنحه الجنسيات الأجنبية والتي رفضها بكل كبرياء، إلا أنه كان يُصر على ارتداء "العمامة والزي القومي السوداني الكامل" داخل قاعات التدريس في أعرق الجامعات وفي المؤتمرات الطبية الدولية، ليرسل رسالة صامتة للعالم أجمع عن اعتزازه الشديد بجذوره ووطنه .
رحل البروفيسور عبد الحميد لطفي جسداً بعد جراحة في القلب بالولايات المتحدة، لكنه ترك وراءه إرثاً حياً: آلاف الأطباء الذين يدعون له مع كل مريض يداوونه، وكتباً وأبحاثاً ينتفع بها، وسيرة عطرة ستظل تلهم الأجيال القادمة معنى العلم المقترن بالخُلق والوطنية .
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد. اللهم اجعل علمه النافع، وطيب أثره، وحسن صنيعه مع طلابه ومرضاه شفيعاً له ورفعةً لدرجاته في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً .
خالص العزاء لأسرة الفقيد، وتلاميذه، وللشعب السوداني، وللوسط الطبي العربي والعلماء في كل مكان .