تدشين الدبلوماسي والشاعر السفير سليمان عبدالتواب الزين، ديوان "خطوات مريم في ثراك"
قصائد تداوي جراح الحرب وتبشر بعودة السودان من قلب القاهرة

القاهرة: سودازول SudaZool
تقرير: سيف البروف
لم يكن بيت السودان العريق بحي السيدة زينب في القاهرة، مساء الأربعاء، مجرد منصة لفعالية ثقافية أو مناسبة لتوقيع ديوان شعري، بل تحول إلى مساحة واسعة للذاكرة السودانية، حيث التقت أشواق المنفى بأحلام العودة، وتعانقت جراح الحرب مع نبوءات الأمل، هناك وبين وجوه حملت الوطن في القلب وإن ابتعدت عنه المسافات، حضرت "مريم" رمزاً لجيل ينتظر أن يخطو نحو سودان آمن، فصار اسمها عنواناً لديوان يروي وجع البلاد ويستشرف فجرها القادم .
في أجواء امتزج فيها الشعر بالوجدان الوطني، وبرعاية شركة تاركو للطيران، دشن مركز خبراء وادي النيل للتدريب والاستشارات، بالتعاون مع جمعية إسناد لدعم المتضررين من الحروب والكوارث، ديوان "خطوات مريم في ثراك" للدبلوماسي والشاعر السفير سليمان عبدالتواب الزين، الذي قدم عبر قصائده شهادة وجدانية على واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخ السودان، محولاً الألم إلى لغة، والحنين إلى مشروع أمل، والكلمة إلى جسر يعبر نحو المستقبل .
وزاد الأمسية ألقاً حضور نخبة من الرموز الثقافية والإعلامية والأكاديمية المصرية والسودانية، في مشهد عكس عمق الروابط التاريخية بين الشعبين الشقيقين، وأكد أن الثقافة تظل قادرة على مد الجسور حيث تعجز السياسة، وعلى صناعة الأمل حين تضيق المسافات وتتسع الجراح .
افتتاح يراعي الجرح ويشكر السواعد البيضاء

افتتح الحفل وأدار فقراته باقتدار الدكتور عادل عبدالعزيز الفكي، رئيس مجلس إدارة مركز خبراء وادي النيل للتدريب والاستشارات، الذي أوضح منذ اللحظة الأولى أن الليلة مختلفة، وأن الغرض أعمق من مجرد تدشين ديوان شعر، وابتدر كلمته قائلا: إحتفاؤنا بهذا الديوان ينبع من أنه يلامس قضية أساسية تهم كل سوداني اليوم: قضية العودة، والحنين إلى الوطن، واسم الديوان نفسه يعبر عن هذه المسألة: 'خطوات مريم في ثراك – بشارة العودة '."
وفي لفتة تليق بأصحاب الأيادي البيضاء، تقدم الدكتور الفكي بالشكر الخاص لـ شركة تاركو للطيران، راعي الحفل، واصفاً إياها بعبارة لامست القلوب: هذه الشركة ليست مجرد ناقل جوي، وإنما هي مؤسسة اجتماعية نعلم تماماً مساهماتها خلال حرب الكرامة. آبار مياه، صيانة مراكز طبية، وأعمال خيرية، و نحن نحييها ونحيي أسرة الشركة هنا في القاهرة .
كما ثمن دور جمعية إسناد لدعم المتضررين من الحروب، التي كانت حاضرة عبر الأستاذة سهاد شريف النور، لتؤكد أن الدعم الإنساني والثقافي وجهان لعملة واحدة .
المستشار الثقافي: السفارة ولاية وهذه أمانتنا
وقف الدكتور عاصم أحمد حسن، المستشار الثقافي لسفارة جمهورية السودان بالقاهرة، ممثلاً سعادة السفير عماد عدوي، ليلقي كلمة نابضة بالدفء الإنساني .
" نحن نحتفل اليوم بتدشين ديوان 'خطوات مريم في ثراك'، هذه الحرب بمآسيها تركت فينا آثاراً، لكن الأدباء والكتاب الذين استمروا في الكتابة عنها هم أصحاب إحساس مرهف، لديهم القدرة على تحويل الأحزان إلى تجسيد للمعنى ."
وكشف سعادته عن مبادرة إنسانية كبرى قائلاً: بالأمس زارتنا إحدى المنظمات الكبرى ووعدت بطباعة عشرة كتب لمن ألفوا ولم يستطيعوا النشر بسبب ضيق اليد .
واستشهد بقصة مؤثرة جعلت الحضور يمسحون دموعهم :
" الشاعر محمد عبدالدائم، لحن لكبار المغنين، وهو مريض طريح الفراش منذ ثلاث سنوات، قال لي: 'أنا لا أظن أنني سأستطيع طباعة كتبي، فقلت: هذه أمانة المستشارية، يجب أن تُحفظ .
واستطرد مخاطباً المبدعين السودانيين في مصر: أي أحد لديه مخلفات أدبية، فليكتب وينشر، ونحن نقدم العون في المطابع، بلدنا غنية بالكتاب والشعراء، ونحن مظلومون في التوثيق ."
شاعر الدبلوماسية: من قنصل قبل 35 سنة إلى سفير يبشر بالعودة
وعندما صعد صاحب الديوان، السفير سليمان عبدالتواب الزين، إلى المنصة، شعر الحضور أن التاريخ يتحدث، بدأ بذكرياته في السفارة نفسها قبل 35 عاماً، حين كان نائب قنصل، ثم انتقل إلى الحاضر بسلاسة من يعرف أن الزمن ليس سوى جسر بين الألم والأمل .
رغم هذه الزحمة في توقيت صيف القاهرة، ونحن في بيت السودان التي أصبحت منارة ومركز امتحان لطلاب السودانيين الذين تقطعت بهم السبل بسبب الحرب... نشكر سعادة اللواء عبدالحميد على تكرمه بتوفير هذه الصالة ."

ثم فاجأ الجميع عندما بدأ يقرأ من ديوانه الأول "أحزان الحب والحرب" (نهاية 2023)، ليرسم الفارق بين الأمس واليوم: هذه الفترة كانت فترة انتقالية، في عمر الشعوب والحضارات، تساوي الكثير، نحن حامدين الله شاكرين، في فترة وجيزة استطعنا أن نتجاوز الحرب ومراراتها وقسوتها .
وقرأ قصيدة رثاء الدكتورة و اللاعبة العالمية والطبيبة التي قتلت في بيتها غدراً :
من غير إذن دخلت بيوتنا الدانة وانفجر الأمان ...
كانت الأحلام عروسة حلوة زي بدرة التمام ...
صارت أشلائك عصافير جنة تحلم بالسلام ..."
بكاء خافت اجتاح القاعة، ثم انتقل السفير إلى البشارة: مريم دي هي حفيدة الأولى، الصورة في الغلاف صورة حقيقية لبنتي ريهام وبنتها مريم، خطوات مريم في ثراك هي فعلاً بشارة العودة للسودان، لم تطأ مريم أرض السودان بعد، لكننا نتعشم في الله خيراً أنها ستطأ، وقرأ من القصيدة التي تحمل عنوان الديوان :
بالأمس كان لقاؤنا فوق التصور والخيال ...
كيف انتزعت صغيرتي كل المشاعر والمجال ...
ها مريم السمراء عادت لساحة الوطن الجلال ...
ثم اختتم بجرأة سياسية وأدبية: قرأت تقريراً خطيراً أن الكهرباء التي في السودان استهدفتها شركات عالمية لتصاب بضربة قاضية، ثم يعيدوا ترتيب الأشياء كتجار مآسي وتجار دماء، وتمنى السلام والاستقرار في جميع ربوع الوطن الحبيب .
الدكتور التجاني حاج موسى: نريد قصائد تمشي بين الناس لا توثيقاً في الرفوف
ولم تخل الأمسية من حضور القامات الثقافية الكبرى، وكان أبرزهم الدكتور والشاعر التجاني حاج موسى، الذي بدأ كلمته بتواضع العلماء: في فمي ماء عندما أتحدث عن الحبيب سليمان، ثم استحضر المتنبي: كلما أنبت الزمان قناة، ركب المرء في القناة سنانا، إذن الحرب ليست جديدة، منذ قابيل وهابيل، ويبقى علينا أن نغلب قيمة السلام، ولن يحدث إلا إذا ارتقينا بالإنسان ."
ووجه نقداً بناءً للثقافة السودانية: المشكلة في أهلنا بالسودان، برغم ثراء وطننا الثقافي الفاحش، أننا لم نهتم كثيراً بالثقافة والإبداع، نعتبرها نظرة صفوية حين يأتي الفرح، لكننا نحتاج إلى إنسان وادي النيل الذي يبشر بالخير والجمال المطلق ."
وطرح خلال كلمته فكرته الثاقبة حول مستقبل الديوان: انني أعول كثيراً على أن نحول عدداً من قصائد هذا الديوان إلى أعمال مسرحية وغنائية تمشي بين الناس يومياً، لا أن تكون ديواناً نقرأه مرة بعد أخرى للتوثيق ."
واستشهد بتجربته الشخصية مع قصيدته التي غناها الفنان كمال ترباس: أمي الله يسلمك ويديكِ لي طول العمر... في الدنيا يوم ما يألمك .
قال: "حين بثت في التلفزيون، ثاني يوم الصباح، كان مئات الآلاف يرددونها ."
ووعد السفير قائلاً: سأحلل ثلاث قصائد من ديوانك، وسنتعاون بلا حدود ."
مصطفى عمر "هاتريك": مريم اسم لم يُذكر في الغزل القديم بل في رمزية الوطن
ومن زاوية نقدية مختلفة، تحدث الإعلامي والكاتب مصطفى عمر "هاتريك"، ليأخذ الحضور في رحلة تحليلية بديعة حول العنوان والغلاف قائلاً: الموسيقى السودانية لها تاريخ ضارب في الأدب والشعر، نذكر صلاح أحمد إبراهيم، محمد المكي إبراهيم، الحاردلو... هناك علاقة تربط الدبلوماسية بالأدب، لعلها التربية الخاصة أو التنقل بين الأمكنة ."
ثم تساءل: لماذا خطوات وليست خطى؟! الخطى تتحدث عن الأثر، أما الخطوات فتفيد حركة المشي والمراحل .
وتعمق في تحليل اسم "مريم" بعمق لاهوتي وأدبي: مريم هو الاسم النسائي الوحيد المذكور صراحة في القرآن الكريم، ارتبط بالطهارة والنقاء، في الشعر القديم لم يُذكر مريم في الغزل، بل في رمزية الوطن، أما في الشعر الحديث، فاستدل به الشعراء للوطن ."
وأضاف بعمق المتصوفة: مريم عند المتصوفة: الأولى أنجبت معجزة، والثانية قادرة على إنجاب المعرفة والنور ."
وختم حديثه : الكتاب يبين من عنوانه. هذا الديوان إضافة لإرث كبير أسميه أدب الدبلوماسيين ."
علي مهدي: الدبلوماسية الثقافية تحاضر في الكونغرس وتكسر الحصار

وشارك الأستاذ علي مهدي، سفير الثقافة والفنون باليونسكو، بتجربة فريدة متحدثاً الحضور وابتدر حديثه قائلاً: في أكثر الأوقات تعقيداً بين السودان وأمريكا، حاضرت داخل مكتبة الكونغرس، وجلست في وزارة الخارجية الأمريكية، لم يكن ذلك ممكناً لولا الدبلوماسية الرسمية والشعبية معاً .
وثمن مهدي بدور شركة تاركو بعبارة بديعة: ليس طيراناً بالعفش والناس فقط، بل نقل الأفكار، أنتم تعززون الحوار في الوادي ككل بحركتكم .
وأضاف: الشعر عند سليمان يغاير الشعر العادي، فيه قيمة أنه ينقل تصاوير كأنما تشاهد شريطاً وفيلماً ."

الفريق عمر قدور: السودان قائد إفريقيا ومريم التي تؤمن بالغيب
عندما صعد الفريق البروفيسور عمر قدور، رئيس اتحاد الكتاب السودانيين، شعر الحضور أن قائداً يتحدث، بدأ بمحبة صادقة: في فمي ماء عندما أتحدث عن الحبيب سليمان، محبتي له نابعة من معرفتي العميقة به، وبما لا يعلمه الكثيرون حتى في وزارة الخارجية، سليمان شعلة من العطاء والمحبة للوطن والإبداع الأدبي منذ نعومة أظفاره .
ثم رفع الصوت: البشارة التي يحملها سليمان في ديوانه هي 'العودة'، وأؤمن أنها حلم كل سوداني وسودانية، مصر والسودان رتق واحد عبر التاريخ، وسيأتي جيل كجيل مريم يعيد الأمور إلى نصابها .
واستحضر قدور التاريخ بحكمة القائد: السودان هو القطر التاسع في العالم مساحة، يزخر بالأهرامات والتاريخ، من المؤسف أن نتقاتل ونحن نملك كل هذا النعيم ."
وروى حكاية ناصعة: سقط سوداني مريضاً في مدينة عربية، فقال للطبيب: أخبر أي سوداني في الشارع، فامتلأ المستشفى بالسودانيين، هذه هي حقيقتنا ."
وخاطب الحضور: الشعراء هم الذين يستشرفون الغد، وهم القوة الناعمة التي ترسم الطريق بالكلمة، والكلمة هي البشارة الأولى .

مداخلات نقدية
وشهدت الأمسية مداخلات مؤثرة لعدد من الشخصيات الوطنية والثقافية، حيث أكد البروفيسور علي محجوب، كبير خبراء مركز وادي النيل، أن الديوان يجسد عمق الروابط الحضارية والإنسانية التي تجمع شعوب وادي النيل، ويبعث برسالة أمل في مستقبل السودان رغم جراح الحرب .
كما أشاد اللواء نبيل معتصم كدكي بالتجربة الشعرية للسفير سليمان عبدالتواب الزين، معتبراً أن الكلمة الصادقة تظل إحدى أهم أدوات بناء الوعي الوطني وترسيخ قيم الانتماء .
من جانبه، قدم الدكتور أباذر الغفاري شهادة وجدانية وإنسانية عن مسيرة الأدب السوداني، واعتبر الديوان امتداداً لتقاليد الشعر الوطني السوداني، قبل أن يختتم كلمته بالدعاء من أجل عودة الأمن والاستقرار إلى السودان، وأن ينعم أطفاله بمستقبل يليق بأحلامهم .

تكريم صادف اهله
وفي ختام الأمسية، تم تكريم شركة تاركو للطيران، ممثلة في الأستاذ عبدالرازق محمد، تقديراً لدورها الريادي في دعم الثقافة والخدمات الإنسانية، كما تم توزيع نسخ الديوان وتوقيعها للحضور، وسط حالة من البهجة والأمل لم تغادر وجوه السودانيين الذين رأوا في "خطوات مريم" نوراً في آخر النفق .
